انتهى المؤتمر، وبقي المنهج على الطاولة
في «ICAN 2026» بالرياض، تحولت أحاديث بناء المواهب إلى برامج جامعية ومعايير مهنية ومسارات تدريب، وبقي اختبار التنفيذ مفتوحًا.
في آخر مساء من «ICAN 2026»، كان يمكن أن تنتهي الحكاية كما تنتهي مؤتمرات كثيرة: تنطفئ الشاشات، تُلتقط الصورة الجماعية، ويغادر الجميع ومعهم حقائب تحمل الشعار.
لكن يوم 29 يناير، بقي شيء أثقل على الطاولة: منهج دراسي.
المؤتمر الدولي لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي، الذي نظمته «سدايا» في جامعة الملك سعود بالرياض على مدى يومين، لم يكن مؤتمرًا عن نموذج أسرع أو جهاز جديد. كان سؤاله أقرب إلى حياة الناس: من سيعمل في هذه السوق، وكيف سيتعلم؟
ثلاثون ألف شخص مروا، لكن الرقم الأهم كان أربعين
بحسب وكالة الأنباء السعودية، تجاوز الحضور 30 ألفًا. شارك أكثر من 50 جهة محلية ودولية، وتحدث 64 متحدثًا في 14 جلسة، وأقيمت 15 ورشة تطبيقية و23 جناحًا في المعرض.
هذه أرقام الحشد. أما الرقم الذي قد يبقى بعد زوال صور القاعة فهو 40: عدد البرامج الأكاديمية الجديدة التي أُعلن إطلاقها في 14 جامعة حكومية وأهلية. تشمل بكالوريوس وماجستير وتخصصات فرعية ودبلومات مهنية في البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأُعلن أيضًا منهج وطني جامعي موحد في المجال، إلى جانب النسخة الثانية من إطار معايير البرامج الأكاديمية. الفكرة هنا واضحة: ألا تترك كل جامعة تعريف المهارات المطلوبة للمصادفة، وأن يصبح هناك مرجع مشترك لما ينبغي أن يتعلمه الطالب.
إذا نُفذ ذلك كما أُعلن، فلن يبقى تعليم الذكاء الاصطناعي مجموعة مقررات متفرقة تحمل أسماء جذابة. سيصبح مسارًا يمكن مقارنته ومراجعته.
المنهج حصل على جار اسمه المهنة
المشكلة القديمة ليست في فتح تخصص جديد فقط. يمكن للجامعة أن تدرّس شيئًا، ثم يطلب صاحب العمل شيئًا آخر تمامًا.
لذلك كشفت «سدايا» في المؤتمر عن النسخة الثانية من الإطار الوطني للمعايير المهنية لمهن البيانات والذكاء الاصطناعي. هذا الإطار يحدد المهارات والمؤهلات المطلوبة للمهن، ويساعد الجهات على تخطيط احتياجاتها الوظيفية.

كما وُقعت مذكرات تفاهم مع 14 جامعة سعودية، واتفاقية استراتيجية مع شركة «هيوماين» لدعم التعاون والابتكار وتسريع تبني حلول الذكاء الاصطناعي. وفي المحصلة، أعلن المؤتمر توقيع 27 اتفاقية وإطلاق سبع مبادرات.
القطعتان، معيار الجامعة ومعيار المهنة، تحاولان إغلاق الفراغ بين الشهادة ومكتب العمل. لكن الإعلان عن جسر لا يعني أن الناس عبرته بعد. الملخصات المنشورة لا تقدم حتى الآن أعداد المقبولين في البرامج الجديدة، ولا جداول تنفيذ مفصلة لكل برنامج، ولا نتائج توظيف يمكن قياسها.
ثم خرج التدريب من باب الجامعة
لم تحصر الإعلانات التعلم في الطالب. أطلقت «سدايا» مبادرة «سماي 2» مع 11 وزارة، لتدريب موظفي الحكومة على الاستخدام العملي والمسؤول للذكاء الاصطناعي.
وأطلقت منصة «أذكى X» الوطنية، بمسارات تدريبية بالتعاون مع شركات تقنية، بينها «آي بي إم» و«مايكروسوفت» و«أمازون ويب سيرفيسز» و«أوراكل». كما ظهرت مبادرة «شارات البيانات والذكاء الاصطناعي» للاعتراف بالكفاءات الوطنية المتميزة.
وكان في القاعة دليل صغير على أن التدريب السابق وصل إلى نهايته، لا إلى إعلان بدايته فقط. جرى تخريج 106 متدربين من أكاديمية «سدايا» عبر 12 برنامجًا نُفذت في 2025، وتكريم أكثر من 90 موظفًا حصلوا على شهادات مهنية متقدمة.
هذه ليست أعدادًا تكفي وحدها لسد طلب سوق كاملة. لكنها تشرح شكل الخطة: جامعة تمنح الأساس، معيار يصف المهنة، منصة تواصل التدريب، وجهة عمل تطبق.
ما خرج من القاعة كان خط إنتاج للمواهب
لمن لم يحضر، هذه هي خلاصة اليومين: الخبر لم يكن 30 ألف زائر، ولا 27 توقيعًا في حد ذاتها. الخبر أن السعودية وضعت أجزاء التعليم والتدريب والتوصيف المهني في صورة واحدة.
ما الذي سيتغير للطالب أو الموظف العربي الآن؟ ليس هناك وعد بوظيفة، ولا دليل بعد على جودة كل برنامج. لكن هناك خريطة أوضح لما ينبغي مراقبته: متى تفتح البرامج الأربعون قبولها، ماذا يحتوي المنهج الموحد، هل تعترف جهات التوظيف بالشارات، وكم متدربًا ينتقل من المنصة إلى عمل حقيقي؟
انتهى «ICAN 2026» في يومين. أما قصته الفعلية فستبدأ حين يدخل أول طالب إلى المنهج، ثم يخرج منه إلى وظيفة لم تحتج إلى ترجمة جديدة لمهاراته.