«قمة الذكاء الاصطناعي للخير»: خبراء يحذرون من غياب بوصلة الأمان وهيمنة حوافز الربح على توجيه النماذج
شهدت جلسة نقاشية متخصصة ضمن فعاليات «قمة الذكاء الاصطناعي للخير العالمية 2026» مراجعة نقدية حادة للمسار الذي تسلكه الصناعة حاليًا، حيث أجمع باحثون ورواد في القطاع على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سرعة تطور التقنية بحد ذاتها، بل في غياب الاتجاه الواضح وتعارض حوافز التطوير التجارية مع متطلبات الأمان وسلامة المجتمعات.
وشبّه يوشوا بنجيو، الأستاذ بجامعة مونتريال والمدير العلمي لمبادرة «لو زيرو»، واقع التطوير الراهن بقيادة سيارة تسير بسرعة فائقة دون مصابيح أمامية وعلى طريق غير معروف المعالم، مؤكدًا أن المشكلة الجوهرية تتمثل في الهياكل الاقتصادية التي تمنح الأولوية للأرباح على حساب رفاه الإنسان، وتدفع النماذج إلى الإنتاج قبل التأكد من صلابتها المنهجية.
من جانبها، كشفت جويل بارال، مديرة الأبحاث والهندسة في «غوغل ديب مايند»، استنادًا إلى تقرير أممي ساهمت في إعداده، أن نحو محادثة واحدة من كل أربع محادثات تجري عالميًا مع روبوتات الدردشة باتت تدور حول الصحة أو الصحة النفسية وجودة الحياة. وأوضحت بارال أن تصميم هذه الأنظمة يركز على استدامة التفاعل وجعل التجربة مريحة للمستخدم، وهو ما لا يعني بالضرورة تقديم التفاعل الأنسب للإنسان من الناحية العلاجية أو التوجيهية.
«تدريب النماذج على إرضاء المقيمين البشريين يقودها إلى إخبار المستخدم بما يريد سماعه لا بما يحتاج إلى معرفته، وهو إخفاق خطير في حالات الصحة النفسية.»
وتناول يوتاكا ماتسوو، الأستاذ بجامعة طوكيو، أبعاد الخطر مع التحول نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات الفيزيائية في اليابان، مشيرًا إلى أن الأخطاء البرمجية في البيئات المادية تترتب عليها أضرار مباشرة وفورية، على عكس الأخطاء في البيئات الرقمية المجردة.
وفي سياق الفجوة الجغرافية، لفت فوكوسي ماريفاتي، مدير المعهد الأفريقي لعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي بجامعة بريتوريا، إلى أن النماذج المصممة والمختبرة في بيئات غربية تخفق عند تطبيقها في بيئات مغايرة، مثل عمل المستشعرات في الصحراء الكبرى، أو في ظل ضعف شبكات الاتصال التي تشوه تدفق البيانات وتؤدي إلى مخرجات لغوية مؤذية، خاصة في قارة تضم نحو ثلاثة آلاف لغة ونسبة شبابية تتجاوز نصف السكان دون سن التاسعة عشرة.
وعلى مستوى البناء الإقليمي، يفرض هذا الطرح على المطورين وقادة التقنية في الخليج ومصر والمشرق العربي إعادة النظر في اعتماد النماذج الجاهزة دون تدقيق؛ فالاعتماد على نماذج صُممت حوافزها في بيئات خارجية لمعالجة قضايا الصحة النفسية أو الاستشارات الحساسة باللغة العربية يهدد بتقديم إجابات مسايرة مضللة. كما أن التوسع في مشاريع الأتمتة الصناعية والروبوتات في البيئات المناخية الصحراوية يتطلب أطر تقييم محلية للمستشعرات والخوارزميات قبل دمجها، وبناء قدرات سيادية لقياس مدى ملاءمة النماذج المستوردة للواقع التنفيذي والميداني في المنطقة.
واختتم الخبراء الجلسة بالتأكيد على ضرورة كسر مركزية اتخاذ القرار التي تنحصر حاليًا في دوائر ضيقة ومراكز محددة، داعين إلى حوكمة دولية تشارك فيها المجتمعات المتأثرة مباشرة بهذه التقنيات، وتدريب الأجيال الجديدة على التفكير النقدي والرياضيات لفهم آليات عمل هذه النظم ومساءلتها.