طرح «أنثروبيك» العام: السيطرة محصورة بسبعة مؤسسين ودفاتر الاكتتاب تكشف قفزة الإيرادات
وضعت شركة «أنثروبيك» حدًا لأسابيع من التسريبات وقدّمت رسميًا إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وثائق تسجيل طرحها العام الأولي، لتستعد لإدراج أسهمها تحت الرمز «ANT» في واحدة من أكثر المحطات ترقبًا في التاريخ المالي الأمريكي الحديث. هذا الإيداع كشف للمرة الأولى عن البنية المالية الدقيقة لصانعة نماذج «كلاود»، مظهرًا قفزة إيرادات استثنائية رافقتها خسارة دفترية هائلة، وهيكل حوكمة صارم يمنع المستثمرين الجدد من امتلاك أي نفوذ حقيقي على قرارات الشركة.
أظهرت البيانات المالية المسجلة أن إيرادات «أنثروبيك» بلغت 16.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 1.2 مليار دولار فقط خلال الفترة المقابلة من عام 2025، وهو ما يعكس تسارعًا غير مسبوق في وتيرة العقود المؤسسية. وجاء هذا النمو مع تحسن ملحوظ في الأداء التشغيلي، إذ انخفضت الخسارة التشغيلية إلى 693 مليون دولار مقابل 2.1 مليار دولار في النصف الأول من العام السابق. ورغم ذلك، سجلت الشركة صافي خسارة بلغ 80.7 مليار دولار، مدفوعًا بتسويات محاسبية غير نقدية ترتبط مباشرة بالديون القابلة للتحويل، مع تحذير صريح من إدارة الشركة للمستثمرين بأنها قد تعجز عن تحقيق الربحية المستدامة أو الحفاظ عليها مستقبلًا.
تكشف دفاتر الطرح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد حقل تجارب، بل تحول إلى بنية تحتية مؤسسية تدر عشرات المليارات.
تظهر تفاصيل قاعدة العملاء أن زخم الإيرادات يستند إلى اشتراكات ضخمة من كبرى الشركات، إذ بلغ عدد العملاء الذين ينفقون مئة ألف دولار أو أكثر سنويًا ما يزيد على 11,900 عميل حتى نهاية سبتمبر، بينهم 1,900 عميل تتجاوز فاتورة كل منهم السنوية حاجز المليون دولار، ونحو 250 عميلًا يدفع كل منهم أكثر من 10 ملايين دولار سنويًا. ولم تكشف الشركة في هذا الإيداع عن المبلغ الإجمالي المستهدف جمعه من الطرح ولا عن السعر المقترح للسهم.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في وثائق التسجيل يتعلق ببنية التصويت والسيطرة؛ إذ قررت الشركة منح المؤسسين السبعة، داريو أمودي ودانييلا أمودي وتوم براون وجاك كلارك وجاريد كابلان وسام ماكاندليش وكريستوفر أولاه، السيطرة المشتركة عبر كيان «Founder LLC» الذي يمتلك 50.1 بالمئة من القوة التصويتية للمساهمين، وذلك لحماية مهمة أمان الذكاء الاصطناعي وفق تبرير الشركة. ويضاف إلى ذلك تفويض «صندوق المنفعة طويلة الأجل»، المؤسس عام 2023، بصلاحية تعيين غالبية أعضاء مجلس الإدارة، ما يعني فصل القوة التصويتية عن الملكية الاقتصادية وحرمان حاملي الأسهم العامة من أي رقابة تشغيلية فعلية على شركة تقر وثائقها بأن تقنياتها تنطوي على مخاطر كارثية أو وجودية على البشرية.
هذا النموذج يفرض واقعًا جديدًا على أسواق المال: ضخ مليارات الدولارات مع التنازل التام عن حق التوجيه.
بالنسبة للمؤسسات والفرق التقنية في الخليج ومصر والمنطقة، يحمل هذا الطرح دلالات عملية مباشرة على استراتيجيات الشراء وإدارة المخاطر. تحول «أنثروبيك» إلى شركة مدرجة يخضعها لإفصاحات ربع سنوية منتظمة، ما يمنح مديري التقنية وقادة المشتريات الإقليميين رؤية واضحة لتكاليف التشغيل وهوامش الاستدلال الحقيقية عند التفاوض على عقود النماذج طويلة الأجل. كما أن وجود مئات المشتركين في شرائح العشرة ملايين دولار عالميًا يضع معيارًا لتسعير الحوسبة المؤسسية يمكن للمصارف وجهات الاتصالات الإقليمية الاستناد إليه. والأهم أن تحصين السيطرة في يد المؤسسين وصندوق الأمان يوضح لعملاء المنطقة أن سياسات الأمان وتراخيص النماذج لن تتغير بضغوط المضاربين في وول ستريت، بل ستظل محكومة برؤية الفريق المؤسس ذاته مهما بلغت تقلبات البورصة.