تخطَّ إلى المحتوى

حوسبة الوكلاء تغادر السحابة: رهان 11 مليون دولار على معالجات شخصية مستقلة

شارك المقال
حوسبة الوكلاء تغادر السحابة: رهان 11 مليون دولار على معالجات شخصية مستقلة
الصورة: Alienware / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

خرجت شركة «غوست» من مرحلة البناء السري بجهاز مكتبي مجرد من الشاشات، واضعة تمويلًا أوليًا بقيمة 11 مليون دولار خلف رهان غير معتاد: نزع الوكلاء الأذكياء من قبضة الخوادم السحابية وإعادتهم إلى عتاد مادي مستقل يستقر على مكتب المستخدم. قاد الجولة التمويلية صندوق «أندريسن هورويتز»، بمشاركة «أبستراكت» و«أوداسيوس فينتشرز» و«إس في آنجل» و«نوفا»، لتطوير جهاز «كور» الذي يباع بسعر 3499 دولارًا، والمقرر بدء شحنه في الأسبوع الأخير من أكتوبر.

أسس الشركة زين جاويد، البالغ من العمر 19 عامًا، بعد أن عمل في التداول الكمي المعتمد على الرياضيات والبيانات ثم شعر بالملل، حتى دفعه إطلاق «تشات جي بي تي» في أواخر 2022 نحو استكشاف الذكاء الاصطناعي الشخصي. يضم الفريق المؤسس في منشأة سان فرانسيسكو نيكولاس تشوا (19 عامًا)، وييفي تشن (24 عامًا)، وغوتام شاردا (23 عامًا). وتتلخص فكرة الجهاز في جمع بيانات المستخدم من تطبيقاته وأجهزته وحواسيبه داخل قطعة عتادية واحدة، ليعمل بمثابة دماغ داخل صندوق ينفذ المهام ويتصرف نيابة عن صاحبه دون حاجة إلى توجيه مستمر بالأوامر النصية.

بني الجهاز بمعمارية تختلف جذريًا عن الحواسيب العامة التي يعاد توجيهها للأدوات الذكية؛ فهو يتضمن معالج رسومات من طراز «إنفيديا آر تي إكس برو 4000 إس إف إف بلاكويل» مدمجًا في سعر البيع دون الحاجة لشرائه منفصلًا. ويعتمد الجهاز على طبقة برمجية خاصة ومتصفح ونظام ملفات مدمج، مع إمكانية الوصول إليه عبر تطبيق الهاتف أو التفاعل الصوتي من خلال التطبيق نفسه. ويأتي عند تسليمه بثلاثة نماذج مثبتة مسبقًا: «كيوين-3.8-نكست»، و«كيوين-3.8-27بي»، و«جيما-4-31بي»، مع إمكانية تثبيت نماذج أخرى من منصة «هاغينغ فيس» أو تحميل نماذج مدربة محليًا. كما يتيح النظام تحديثات هوائية تشبه أسلوب «تسلا»، حيث يخير المستخدم بين الانتقال للأجيال الأحدث أو اعتماد التحديث التلقائي.

تظهر القيمة الهندسية الأبرز في مسألة الاستقلالية والسيادة؛ فالجهاز مبرمج ليواصل العمل حتى لو أغلقت شركة «غوست» أبوابها، إذ تعيش أوزان النماذج والمنطق البرمجي والشفرات داخل العتاد نفسه لا في خدمات سحابية خارجية. وتبقى كافة البيانات مشفرة محليًا دون قدرة أي مزود سحابي أو طرف ثالث، بما في ذلك الشركة المصنعة، على الاطلاع عليها. وتكتمل هذه المنظومة بجدار حماية محلي يبنيه الفريق لمراقبة كافة طلبات الشبكة الصادرة من الجهاز، بحيث يرفض أي طلب يسعى لتسريب البيانات أو تجاوز الصلاحيات ويحيله للمراجعة. هذا المعمار يتيح للوكيل اتخاذ إجراءات استباقية بحرية، كأن يرصد ارتفاع نبض القلب مصحوبًا بالعمل لساعات متأخرة وظرف موسمي لانتشار الإنفلونزا في المدينة، فيبادر بتنبيه المستخدم باحتمال تعرضه للإعياء.

تفرض هذه التجربة تحولًا بالغ الدلالة أمام المكاتب الاستشارية والمصرفية والشركات العائلية في الخليج ومصر؛ إذ تتبعنا طويلًا التردد في تسليم السجلات والقرارات لوكلاء يعملون على خوادم أجنبية تفتقر لضمانات السيادة الصارمة. امتلاك وحدة معالجة مستقلة ومغلقة شبكيًا يمنح صانع القرار في الرياض أو دبي مسارًا لاستخدام الوكلاء دون مخاطرة تسريب الهويات وبيانات الدخول. احسب أيضًا الفارق في مراكز التطوير في القاهرة وعمّان، حيث تتحول تكلفة الاستدلال السحابي المتراكمة إلى أصل رأسمالي ثابت، يحرر المطور من تقلبات فواتير واجهات البرمجة بالدولار.

نرى في هذه الخطوة مؤشرًا على أن معركة الوكلاء المستقلين بدأت تغادر سحاب الشركات الكبرى لتستقر في العتاد الشخصي وجدران الحماية الطرفية. المهارة المطلوبة من الفرق التقنية في المنطقة لم تعد تقتصر على كتابة الأوامر السحابية، بل تمتد إلى إدارة أوزان النماذج محليًا وتدقيق حركة المرور الصادرة لحماية الصلاحيات. وعندما تصبح سرية البيانات غير قابلة للمساومة، يغدو الفارق بين استئجار وكيل عن بُعد وامتلاك معالجه بالكامل هو الفارق ذاته بين حماية أعمالك والتبعية التقنية المطلقة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد