«الفردان» تنتقد جمود المصارف وصناديق الاستثمار: التحويلات البطيئة وتراجع الجرأة يعطلان حركة رأس المال
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
أرى في الشهادة النقدية التي يقدمها محمد إبراهيم الفردان، رئيس مجموعة «الفردان القابضة»، مواجهة صريحة تضع المنظومة المالية التقليدية وشبكات التمويل الجريء الإقليمية أمام مرآة تكشف عمق الاختلالات الهيكلية التي تعيشها حركة رأس المال. ينطلق هذا الموقف من تجربة عائلية تمتد لأكثر من قرن، تحولت من الغوص وتجارة اللؤلؤ في البحرين إلى تكتل يضم أكثر من خمسين مشروعا في قطاعات العقارات والسيارات والضيافة والتقنية المالية، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الفضاء والأصول الرقمية المشفرة. الاستكانة إلى مناطق الراحة تمثل الخطر الحقيقي الذي يهدد استدامة الأعمال في المنطقة، وليس مجرد التوترات الجيوسياسية التي اعتادت بعض المؤسسات تعليق تباطؤها عليها، لا سيما أن القطاع المصرفي لم يتغير جوهريا منذ أزمة عام 2008 التي شهدت تنبؤاته بضرورة إعادة هيكلة النظام المالي العالمي دون استجابة مبكرة من المساهمين.
تتجلى أزمة النظام المالي القائم في الكفاءة التشغيلية المفقودة لتحويلات الأموال، حيث يستغرق إرسال المدفوعات المؤسسية بين الإمارات وأوروبا أو الولايات المتحدة ثلاثة أيام على الأقل، بينما تقفز مدة التحويلات الإقليمية بين الإمارات والسعودية إلى أسابيع كاملة بسبب مشكلات مستمرة في مسارات التسوية. هذا البطء الصادم يكشف فجوة تقنية ومصرفية حرجة، خصوصا حين تتعامل البنوك التقليدية مع استياء المتعاملين بدهشة غير مبررة. ورغم أن شركات التقنية المالية مثل «ريفولوت» ومحلات الصرافة الإقليمية نجحت في معالجة جزء من هذه المعضلات وبنت هوامش ربحية ملموسة، إلا أنها وقعت بدورها في فخ الراحة، وتوقفت عن تقديم ابتكارات جذرية تعيد تعريف تجربة المستخدم المؤسسي وتقتلع البيروقراطية من جذورها.
يمتد النقد الصريح إلى مشهد التمويل الجريء، حيث سجل نشاط الاستثمار في الشرق الأوسط أدنى مستوياته خلال خمس سنوات في النصف الأول من هذا العام، استنادا إلى بيانات منصة «ماغنيت»، تحت وطأة ضغوط حرب إيران وتراجع الرغبة في المخاطرة. ومع ذلك، يرفض الفردان حصر التراجع في العامل العسكري والسياسي، واصفا صناديق رأس المال الجريء الإقليمية بأنها لا تبذل جهدا كافيا وتفتقر إلى الجدية والابتكار المطلوبين لدفع الاقتصاد نحو المجازفة المحسوبة. وتستند هذه الرؤية إلى مسار تاريخي دشن خلاله، في عام 2007 وعقب خبرة سابقة في شركتي «آي بي إم» و«مايكروسوفت»، ما يعد أول شركة تمويل جريء في المنطقة لاقتناص الأصول المتعثرة والاستثمار في الشركات الناشئة وقت انسحاب غالبية رؤوس الأموال.
في مقابل تحفظ الصناديق وجمود البنوك، يبرز التشفير كأكبر فرصة استثمارية غير مستغلة تحظى بدعم وتوجه من قادة ومؤسسات عالمية كبرى، مدعوما بالأطر التنظيمية والبنية التحتية التي أسستها دولة الإمارات لمنظومة البلوكشين. وتتحرك محفظة «الفردان القابضة» في هذا المجال عبر العملات المستقرة وترميز أصول العالم الحقيقي، التي تشمل العقارات والمشاريع التأسيسية الجديدة والسندات المالية. ومع هذا التفاؤل، تظل تقلبات هذه الأسواق مصدر حذر حقيقي يتطلب مهارة فائقة، تشبه السباحة بين الحيتان في مياه مفتوحة، حيث يصبح الإحجام عن الاستثمار خيارا حكيما لمن لا يمتلك أدوات إدارة المخاطر العالية وفهم تقلباتها العنيفة.
تحمل هذه الوقائع تداعيات مباشرة على مسار القرارات التشغيلية والاستثمارية لمن يدير شركة ناشئة أو يقود خزانة مالية في الخليج ومصر وبلاد الشام. إن استمرار بطء التحويلات المالية بين المراكز الاقتصادية الرئيسة يفرض عليك إعادة احتساب دورات السيولة النقدية وتكاليف الاحتفاظ برأس المال العامل، ما يرفع مخاطر التعثر التشغيلي عند الاعتماد على القنوات المصرفية التقليدية وحدها. كما يفرض تراجع اندفاع الصناديق الاستثمارية تبني نماذج أعمال تعتمد على الإيرادات الفعلية وتوليد التدفقات النقدية الذاتية بدلا من التعويل على جولات تمويلية خارجية. تفتح هذه البيئة في الوقت نفسه نافذة تنافسية واسعة أمام مطوري التقنية المالية والترميز الرقمي لابتكار حلول تسوية فورية تخترق مناطق الراحة التي ركنت إليها المصارف والمحافظ القائمة، وتعيد توجيه السيولة نحو حلول تشغيلية قابلة للقياس.