من المتحف الكبير إلى مراكز البيانات: كيف تؤسس مصر شبكة حوسبة محلية للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع «إنفيديا»؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
في المتحف المصري الكبير، اجتمع مطورو الذكاء الاصطناعي والباحثون وممثلو الشركات الناشئة والمؤسسات لرسم ملامح مرحلة جديدة من التحول الرقمي في مصر، وهي مرحلة الانتقال من مجرد التمكين واستكشاف الإمكانات إلى التشغيل الفعلي على نطاق الإنتاج. هذا اللقاء، الذي شارك فيه باولو غولميني، نائب رئيس «إنفيديا» لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، إلى جانب قيادات إقليمية للشركة، وضع منظومة الحوسبة السحابية ومصانع الذكاء الاصطناعي في صدارة المشهد، تأكيدا على أن تسريع كل طبقة من طبقات المنظومة التقنية بات شرطا لبناء تطبيقات تخدم مختلف القطاعات الحيوية.
التحول الأبرز يتمثل في تجاوز الاعتماد التاريخي على البنية التحتية السحابية الخارجية. فرغم أن القارة الإفريقية تضم نحو ثمانية عشر بالمئة من سكان العالم، إلا أنها لا تحظى سوى بأقل من واحد بالمئة من سعة مراكز البيانات العالمية، ما أجبر المطورين لسنوات طويلة على الاعتماد على خوادم سحابية خارج القارة لتدريب النماذج الموسعة. هذا الواقع يشهد تغيرا متسارعا، إذ دخلت أربعة مصانع للذكاء الاصطناعي حيز الخدمة أو الإعلان خلال عام واحد في إفريقيا، مع وجود 656 ميغاوات من القدرة الجديدة قيد التجهيز، في سياق توقعات مؤسسة ماكنزي بنمو الطلب على مراكز البيانات في القارة من 0.4 غيغاوات حاليا إلى ما بين 1.5 و2.2 غيغاوات بحلول عام 2030، باستثمارات إنشائية تتراوح بين عشرة وعشرين مليار دولار.
داخل السوق المصرية، بدأت ترجمة هذه الاحتياجات بخطوات تنظيمية واستثمارية، حيث منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ترخيصا لشركة «حسن علام لمراكز البيانات» لبناء وتشغيل مراكز الحوسبة في البلاد، أعقبه اتفاق بين «حسن علام للمرافق» وشركة الاستثمار «A15» لتطوير مركز بيانات جديد باستثمار يقدر بنحو 400 مليون دولار. بالتوازي مع ذلك، أعلنت «كاسافا تكنولوجيز»، أول شريك سحابي لشركة «إنفيديا» في إفريقيا، عن مبادرة مشتركة مع «فودافون مصر» لإنشاء مصنع ذكاء اصطناعي يقدم وحدات معالجة الرسوميات كخدمة سحابية محلية. هذه المبادرة توفر للشركات والجهات الحكومية بنية معالجة فائقة السرعة مع ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل الحدود الوطنية دون الحاجة لنقلها خارجيا.
هذا التحول التأسيسي ترافقه منظومة متنامية تضم رواد أعمال وباحثين ضمن برنامج «إنفيديا إنسيبشن»، مثل «إنتيلا» المطورة لنظم الاستخبار الصوتي باللغة العربية، و«بروتينات» العاملة في تصميم البروتينات وتطوير الأدوية، و«مارسيس روبوتكس» للأتمتة الصناعية، و«ستاك باك» لأتمتة عمليات التطوير، إضافة إلى شركتي «باي موب» و«ثندر» في الخدمات المالية الذكية، ونظام «أيديرا» لذكاء المؤسسات. كما نما عدد المتدربين في معهد «إنفيديا» للتعلم العميق داخل مصر بأكثر من عشرة أضعاف خلال عام واحد، ضمن مستهدف قاري لتدريب مئة ألف مطور، أُنجز منه تدريب ما يزيد على خمسة وثمانين ألف مطور حتى الآن.
توطين الحوسبة يعيد صياغة قرارات القادة التقنيين وفرق هندسة البيانات في مصر والمنطقة. إن توفير معالجات الحوسبة محليا يرفع عن كاهلك تعقيدات الامتثال لقوانين السيادة الرقمية وحماية البيانات، خصوصا إذا كنت تقود التحول الرقمي في قطاع مصرفي أو جهة حكومية تلزمك اللوائح فيها بعدم إخراج البيانات التشغيلية وسجلات العملاء خارج الحدود. وعلاوة على ذلك، يتيح لك تشغيل النماذج بالقرب من مصادر توليد البيانات تقليص زمن الاستجابة وخفض تكلفة الاستدلال والحوسبة التي كانت تستنزف الميزانيات بالعملات الأجنبية لدى مزودي السحابة العالميين، ما يمهد لبناء حلول عربية أكثر كفاءة وملاءمة للسوق الإقليمية.
يتكامل هذا المشهد مع مشاريع بنية تحتية قارية كبرى، منها إعلان «نيكسوس كور سيستمز» في المغرب عن مصنع ذكاء اصطناعي خارج الدار البيضاء بقدرة 500 ميغاوات واستثمار أولي يبلغ 1.2 مليار دولار بالاعتماد على معالجات بلاكويل والطاقة المتجددة، وإطلاق سحابة «ستراتوس لاب» في جنوب إفريقيا بقدرة تتجاوز 7 إكسا فلوبس. هذه التطورات تفرض على مسؤولي التقنية والمديرين التنفيذيين مراجعة استراتيجيات البنية السحابية فورا، والتحول نحو استغلال الموارد المعجلة محليا لبناء نماذج مؤسسية متقدمة تواكب التغير المتسارع في قواعد المنافسة.