«أوبن إيه آي» تقتحم الأنظمة المصرفية القديمة بقفزة دقة في ترحيل شفرات «كوبول»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تحتفظ البنوك والمؤسسات الحكومية حول العالم بآلاف الأنظمة التي كُتبت قبل عقود بلغات برمجة شحيحة التوثيق، وظلت طويلا عصية على التحديث بسبب مخاطر تعطل منطق الأعمال المتراكم داخلها. في التاسع عشر من أكتوبر 2026، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» مبادرة تقنية تستهدف مباشرة هذه المعضلة، عبر تعزيز قدرات نماذجها في بناء البرمجيات وترحيلها ضمن اللغات محدودة الموارد والبيانات، وفي مقدمتها «كوبول» (COBOL) و«فورتران» (Fortran) و«فيجوال بيسك» (Visual Basic) و«أوكامل» (OCaml).
وعندما دققنا في الأرقام التي أعلنتها الشركة، وجدنا تحولا لافتا في أداء النماذج مع الأكواد التاريخية. ففي اختبارات ترحيل لغة «كوبول»، حقق نموذج GPT-6.1 Sol دقة بلغت 86.6 بالمئة في إعدادات الاستدلال المنخفضة، متفوقا بفارق كبير على نسبة 5.4 بالمئة التي سجلها نموذج GPT-5.6 Sol، مع خفض في التكلفة وصل إلى 39 بالمئة. وعند رفع إعدادات الاستدلال إلى مستوياتها العليا، بلغت دقة الترحيل للنموذج نفسه 97.9 بالمئة، وهو ما يقلص فجوة برمجية جعلت نقل هذه المنظومات تاريخيا من أعقد التحديات أمام فرق التطوير.
ولم يتوقف التقييم عند لغة واحدة؛ إذ أطلقت الشركة إطار MultiLangBench ومجموعته الاختبارية الكاملة على منصة «غيت هاب» (GitHub) لتغطية 20 لغة برمجية بنتائجها التفصيلية. وفي هذا الاختبار، سجل نموذج GPT-6 Astra معدل اجتياز بلغ 87.4 بالمئة عبر اللغات العشرين، صعودا من 26.8 بالمئة لنموذج GPT-5.6 Sol. وفي المقابل، أظهر نموذج GPT-6 Luna توجها اقتصاديا صريحا؛ إذ حقق معدل اجتياز قدره 40.3 بالمئة لكن بتكلفة أقل بنحو 78 بالمئة مقارنة بالنماذج السابقة، ما يمنح المؤسسات مساحة للموازنة بين الدقة العالية وحجم الإنفاق.
هذه القفزة في نسب النجاح لا تعني إطلاق يد الأتمتة في بيئات العمل الحساسة دون رقابة. فقد نبهت «أوبن إيه آي» بوضوح إلى أن اعتماد هذه المخرجات في البرمجيات الإنتاجية الفعلية يظل مشروطا بالتحقق البشري المتخصص، وإجراء اختبارات دقيقة تضمن مطابقة الكود لقواعد الأعمال المعقدة والتبعيات التشغيلية القائمة. فالصعوبة الجوهرية في لغات مثل «كوبول» لا تنحصر في قلة النماذج التدريبية مقارنة بلغات معاصرة مثل «بايثون»، بل تعود إلى تراكم طبقات من القرارات المصرفية والتنظيمية عبر أجيال متتابعة، بحيث يؤدي أي خطأ طفيف في ترجمة منطق المعاملة إلى اضطراب مالي واسع.
بالنسبة للقطاع المصرفي والحكومي في الخليج ومصر، يحمل هذا التطور بعدا تشغيليا بالغ الأهمية. تعتمد مؤسسات مالية كبرى في المنطقة على أنظمة مصرفية جوهرية صيغت شفراتها الأولى قبل عقود، وظل هاجس الترحيل مؤجلا نظرا لارتفاع تكاليف الاستشارات المتخصصة وندرة المبرمجين القادرين على فك شفرات اللغات القديمة. وإذا كنت تقود قطاع التقنية في مصرف إقليمي، فإن خطوتك العملية لا تبدأ بترحيل فوري، بل بفهم التغير في تكلفة الحوسبة؛ فمع هبوط التكاليف بنسب تصل إلى 78 بالمئة ونضج الفهم البرمجي للغات المتقادمة، تصبح مشاريع التحديث المالي قابلة للدراسة دون استنزاف مالي. غير أن هذا التحول ينقل مركز الثقل في المهارات؛ فلم يعد المطلوب مجرد مطور يجيد كتابة الأوامر النصية، بل مهندس بنية مؤسسية يمتلك القدرة على تدقيق منطق الأعمال والتحقق الصارم من سلامة العمليات قبل إقرارها.
اختبار النجاح الحقيقي يقاس بمدى قدرة المؤسسة على التحقق الصارم قبل اعتماد الشفرة الجديدة. إن إتاحة إطار MultiLangBench يمنح الكوادر الهندسية في المنطقة أداة مستقلة لاختبار النماذج على قواعد برمجية محلية، وتحديد هوامش الخطأ بدقة قبل ملامسة البيانات الحية، وهو ما يحول الذكاء الاصطناعي من واجهات استعراضية إلى أداة عميقة لمعالجة الديون التقنية المتراكمة.