تخطَّ إلى المحتوى

معادلة السلامة المكافئة: كيف تضبط هيئة الطيران المدني السعودية حدود الأتمتة والتدخل البشري؟

شارك المقال
معادلة السلامة المكافئة: كيف تضبط هيئة الطيران المدني السعودية حدود الأتمتة والتدخل البشري؟
الصورة: Andrés Dallimonti / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

ترسم الهيئة العامة للطيران المدني في السعودية حدودًا واضحة للتعامل مع موجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي عبر استراتيجية قائمة على مسارين منفصلين، تفصل بموجبها بين تسريع التطبيقات التقنية في العمليات التشغيلية غير الحرجة، وبين التدرج الحذر في النظم المرتبطة مباشرة بالسلامة الجوية. هذا التمييز، الذي كشف عنه رئيس الهيئة عبدالعزيز بن عبدالله الدعيلج خلال الجلسة الوزارية لمنتدى مستقبل تكنولوجيا الفضاء والطيران ضمن معرض العلمين الدولي في جمهورية مصر العربية، يعكس تحول الحوكمة التنظيمية من الانبهار العام بقدرات النماذج الذكية إلى تفكيك سلاسل العمل وعزل مخاطر الفشل التقني المفاجئ.

تقوم فلسفة الهيئة على تسريع تبني التقنيات المتقدمة في الوظائف غير الحرجة لتعزيز الكفاءة، مقابل إخضاع الوظائف الحرجة لمعيار السلامة المكافئة أو الأعلى. يتيح هذا المسار المزدوج للناقلات والمطارات أتمتة العمليات المساندة، مثل معالجة بيانات الركاب وإدارة المرافق الأرضية دون تأخير، بينما يفرض على النظم المؤثرة في حركة الطيران وقمرات القيادة اختبارات إثبات صارمة تضمن عدم انخفاض معايير السلامة المعتمدة دوليًا، مع إلزامية بقاء العنصر البشري في صلب الإشراف وقادرًا على التدخل في كل لحظة.

يعيد هذا التوجه التنظيمي تشكيل خريطة المهارات المطلوبة في منظومة الطيران الإقليمية. إذ لا تقتصر الحاجة اليوم على المهارات الملاحية والهندسية التقليدية، بل تتوسع نحو تخصصات مستحدثة أشار إليها رئيس الطيران المدني، وعلى رأسها ضمان الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، وهندسة العوامل البشرية. تكتسب هذه التخصصات أهمية استثنائية لأنها تدرس حدود تفاعل الطيارين والمراقبين مع البرمجيات الذكية، وتضمن استمرار الوعي بالموقف الميداني وتفادي الاعتماد السلبي على الآلة، بما يتسق تمامًا مع المعايير والممارسات الدولية المعمول بها.

ويرتبط تنفيذ هذا المسار باستثمار البنية التحتية للمواهب الوطنية، حيث استندت الهيئة في خطتها إلى جاهزية مبادرة «سماي» (مليون سعودي للذكاء الاصطناعي) التي أطلقتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» وتجاوزت مستهدفاتها المعلنة بتأهيل مليون مواطن ومواطنة. تكمن القيمة التشغيلية لهذه الجاهزية في تمكين قطاع الطيران من بناء خبرات متخصصة محليًا وتطوير برامج تدريب متقدمة قائمة على المحاكاة الواقعية، لاختبار تفاعل الكوادر مع الأنظمة المؤتمتة تحت ظروف التشغيل المعقدة.

يحمل هذا التأطير النظامي دلالات حاسمة لمديري العمليات والتقنية في شركات الطيران ومشغلي المطارات في الخليج ومصر. فإدارات المشتريات لم تعد قادرة على دمج برمجيات الذكاء الاصطناعي الجاهزة في قنوات اتخاذ القرار الحرج دون الخضوع لاشتراطات ترخيص تثبت تفوق مستوى السلامة وإمكانية التجاوز البشري الفوري، مما يجعل كلفة الامتثال أعلى في مقصورة الطائرة وبرج المراقبة، ويوجه الجزء الأكبر من الإنفاق الاستثماري السريع نحو العمليات اللوجستية وجدولة الموارد والخدمات الأرضية التي تسمح بالأتمتة الكاملة دون تعريض الأرواح للخطر.

كما يضع هذا الإطار مهندسي النظم والمبرمجين في المنطقة أمام مسار مهني جديد: لم تعد شهادات علوم الحاسب العامة جواز مرور كافيًا إلى مشروعات الطيران الحساسة، بل أصبحت الأولوية لمن يجمع بين فهم خوارزميات الاستدلال وهندسة السلامة وتصميم واجهات التفاعل البشري الآمن. وتؤكد مجلة «AI Gossips» أن الميزة التنافسية للفرق التقنية في المنطقة لن تتحدد بمدى سرعة إحلال الخوارزميات، بل بقدرتها على بناء بيئات تشغيلية هجينة تعزز قدرة القائد والمراقب البشري على المساءلة والتحكم عند وقوع الطوارئ.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد