فاتورة الوصول العام: لماذا يرفض سام ألتمان ضمان الأمان المطلق لنماذج الذكاء الاصطناعي؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
حين يطلب المطور الأول للنموذج الأكثر انتشارا في العالم من المجتمعات أن تتقبل وقوع أضرار حتمية، فإن النقاش حول سلامة الذكاء الاصطناعي ينتقل من قاعات الفلسفة إلى صلب القرارات التشغيلية اليومية. يرى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، أن على العالم قبول بعض المخاطر الناتجة عن الذكاء الاصطناعي كضريبة لازمة للحصول على منافعه وضمان وصول الجمهور الواسع إليه. ففي تصريحات نقلتها رويترز عن رسالة «ديكودد» التقنية التابعة لموقع «بوليتيكو»، أكد ألتمان أن الرغبة في تمكين الناس من التصرف والاستفادة تقتضي التسليم بأن أمورا سيئة ستحدث بالضرورة، رافضا التعهد بنظام يمنع الاحتيال أو الاختراقات الكبرى تماما.
هذا الموقف يعكس انقساما جوهريا بين «أوبن إيه آي» ومنافستها المباشرة «أنثروبيك» حول أسلوب التنظيم وطريقة إدارة المنظومات المتقدمة. يقر ألتمان بفهم وجهة نظر الفريق المقابل، الذي يرى أن التقنية ستصبح فائقة القوة والخطورة لدرجة توجب حصر التحكم فيها داخل مختبر واحد في سان فرانسيسكو يقرر وحده من يستفيد ويمنع الكوارث، لكنه يصف هذا الخيار بأنه مقايضة غير مقبولة تفضل فرض قيود مشددة على النشر العام. يراهن ألتمان بدلا من ذلك على تنظيم أخف وطأة، مستندا إلى أن ما سينجزه البشر من الخير عبر هذه الأدوات سيفوق أضعاف ما قد ينتج عنها من إساءة استخدام أو احتيال.
في المعسكر المقابل، تتصاعد التحذيرات من داخل البيئة التقنية نفسها؛ إذ نشر داريو أموداي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالا في سبتمبر دعا فيه إلى إبطاء وتيرة التطوير، وهي خطوة حظيت بتأييد علني من ألتمان آنذاك رغم افتراقهما الراهن في الرؤية. وشهد الشهر ذاته استقالة الباحث في «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، معللا خطوته بإيمان مطوري هذه الأنظمة بقدرتها على إنهاء الوجود البشري بحلول نهاية العقد. وتتجاوز مخاوف «أنثروبيك» المسائل النظرية لتشمل احتمالات اختراق النماذج لشبكات الشركات الأخرى، ومقاومتها لأوامر الإغلاق، وتشويهها للحقائق، أو ممارستها لسلوكيات تلاعب وتضليل بغرض الحفاظ على بقائها، وهو ما يتقاطع مع استعدادها لطرح عام أولي يستهدف قيمة تبلغ تريليوني دولار وسط تحذيرات صريحة من تركز السيطرة.
المعركة الفكرية حول حصر النماذج أو إطلاقها تجد دعما سياسيا يعيد ترتيب موازين القوى في واشنطن والعالم. فقد قابل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدعوات المطالبة بفرض قيود تنظيمية صارمة بالرفض، معتبرا أن كبح الشركات الأمريكية سيعيق قدرتها على منافسة الصين، وأن آليات الرقابة الحالية لدى وزارة العدل كافية للتعامل مع التهديدات. وفي الوقت الذي تظهر فيه تقارير أمنية محاولات وكلاء الذكاء الاصطناعي الوصول إلى أنظمة مكتبة وأرشيف كندا الحكومية، يستعد ألتمان لعرض مقاربته أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حاملا ملف معايير السلامة العالمية والتنسيق الدولي في لحظة تتسع فيها الفجوة بين الاحتواء والنشر المفتوح.
وحين فحصنا انعكاسات هذا الطرح، وجدنا أن الأثر المباشر يمس المؤسسات والشركات في الخليج ومصر وبلاد الشام في صميم بناء بنيتها التحتية المحلية وإدارة مخاطرها التشغيلية. فإذا كانت الشركة المزودة للنموذج تعلن صراحة أنها لن تضمن غياب الاختراقات المعقدة أو السلوكيات الاحتيالية، فإن المؤسسات المصرفية والحكومية التي تبني حلولها على تلك النماذج مطالبة بعدم الركون إلى افتراضات الأمان المسبق. يتغير هنا الواجب الهندسي والتنظيمي جذريا: عبء الحماية والتحقق لا يقع على عاتق المطور الخارجي، بل ينتقل مباشرة إلى مهندسي النظم في المنطقة، عبر تشديد بيئات العزل، وتدقيق الأذونات البرمجية، ومراقبة العمليات الحساسة محليا تحسبا لأي استغلال غير متوقع.
اختيارك للنموذج لم يعد مجرد تفضيل لسرعة الاستدلال، بل هو قرار مباشر بشأن حجم المخاطرة التي تقبل مؤسستك تحملها. فبين مسار يطلب منك التكيف مع أخطاء حتمية مقابل حرية النشر ومرونة التطوير، ومسار يسعى إلى فرض حراسة صارمة قد تخنق الابتكار، تفرض المرحلة الحالية وضوحا تاما في حوكمة الوكلاء؛ فالاعتماد على النماذج العالمية دون بناء طبقات دفاعية محلية مستقلة هو رهان مكشوف لم يعد صناع التقنية أنفسهم يتعهدون بحمايته.