سجلات المحادثات تفضح تجهيز أجهزة تنصت مشفرة داخل قاعات إدارة «أوبن إيه آي»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تحولت قاعة اجتماعات الإدارة التنفيذية في مقر «أوبن إيه آي» بمدينة سان فرانسيسكو إلى مسرح لخرق أمني غير مألوف، بعدما عثرت فرق التفتيش على جهاز تسجيل مشفر مخبأ خلف شاشة تلفاز. القضية التي أحالتها الشركة فورًا إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي لم تنته عند توقيف مهندس البرمجيات عبد الرحمن الفوزان البالغ من العمر 35 عامًا وفصله، بل أظهرت استعانة الشركة بنماذجها الذكية الخاصة لتحليل القطعة الإلكترونية وفهم مصدرها، في اختبار ميداني مباشر لحراسة مقارها الحساسة من التهديدات الداخلية.
تتبعنا وثائق لائحة الاتهام الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية، التي توضح أن الواقعة بدأت في الثامن والعشرين من سبتمبر، حين زرع المشتبه به جهاز تسجيل صوتي مستمر داخل قاعة مخصصة لاجتماعات الإدارة ومناقشة معلومات سرية دورية. وبعد يومين، كشف مسح أمني روتيني وجود الجهاز، بينما وثقت كاميرات المراقبة تحركات الموظف داخل القاعة في الأيام السابقة. ولم تتوقف الأدلة الجنائية عند شاشات المراقبة، إذ فحص المحققون حقيبة تركها المتهم داخل المقر ليعثروا على جهاز تنصت ثان مطابق للأول، مما قاد إلى توقيفه في التاسع من أكتوبر، ليواجه عقوبة محتملة تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة 250 ألف دولار دون أن يدلي بتعليق علني حتى الآن.
الجانب الأبرز في أوراق القضية يتجاوز مجرد زرع العتاد المادي، إذ كشف تتبع السجلات الرقمية أن المتهم وجه استفسارات متكررة إلى روبوت محادثة ذكي لجمع تفاصيل لوجستية تشمل عناوين مقار الشركة، وسعة قاعات الاجتماعات، وجداول المواعيد، وأماكن وجود القيادات التنفيذية. وتزامن ذلك مع استفسارات مسجلة من حساب زوجه تطلب إرشادات تفصيلية حول بناء مسجل صوتي مستمر، وتعديل الاتصال بالشبكات اللاسلكية، وتشفير بطاقة الذاكرة، مع تضمين المعرفات الفريدة للجهاز نفسه. ورغم تأكيد الشركة غياب مؤشرات على تسريب أوزان النماذج أو الشفرات المصدرية أو بيانات العملاء، فإن الحادثة تأتي وسط ضغوط رقابية شملت استدعاءً قضائيًا من المدعي العام في كاليفورنيا على خلفية اختراقات برمجية لوكلاء أذكياء، وإنهاء خدمات باحثي أمان بدعوى مخالفة سياسات السرية.
تفرض هذه السابقة تدابير تشغيلية جديدة على بيئات العمل ومراكز البيانات في الخليج ومصر والمشرق العربي؛ فمع تسارع المؤسسات المالية والجهات الحكومية نحو تبني النماذج السيادية وبناء بنى تحتية متقدمة داخل منشآتها، يتضح أن محيط الأمان لم يعد مقتصرًا على بوابات التشفير السحابي وجدران الحماية البرمجية. إن استغلال واجهات الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد للتخطيط والتنصت الداخلي يحتم على مسؤولي أمن المعلومات في المنطقة مراجعة سجلات الاستعلامات المؤسسية وتدقيق حركة الأجهزة الطرفية، مع إخضاع شاشات القاعات ووحدات العرض لفحوصات فيزيائية دورية صارمة.
تكشف الواقعة عن مفارقة دقيقة تواجه صناعة النماذج المتقدمة؛ فالأنظمة المصممة لتسهيل الأعمال وتحليل البيانات هي الأدوات نفسها التي يمكن استجوابها للالتفاف على الرقابة وهندسة الاختراق المادي. المعادلة الأمنية تتسع اليوم لتشمل حماية الغرف التي تُصنع فيها القرارات، مؤكدة أن تأمين ثورة الذكاء الاصطناعي يبدأ من صلابة الإجراءات الميدانية بقدر ما يعتمد على حراسة الخوارزميات.