تخطَّ إلى المحتوى

الذكاء الاصطناعي لن يأخذ مقعدك... لكنه قد يكشف أنك كنت تجلس في المقعد الخطأ

شارك المقال
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ مقعدك... لكنه قد يكشف أنك كنت تجلس في المقعد الخطأ
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

أهلاً بك عزيزي القارئ في غرفة الإجتماعات.. المكان الذي تجتمع فيه رائحة القهوة الفاخرة، مع برودة التكييف، مع تلك النظرات الحكيمة التي يتبادلها السادة المديرون وهم يتحدثون بلغة "الـ KPIs" و"الـ Forecasts"..

من كام سنة.. كان الموضوع بسيطاً ومريحاً للغاية. دخولك المحترم، ومعاك ملف Excel معقد ومزخرف بالألوان، وفيه شوية Charts وForecast للسنة الجاية.. فيبصلك المجلس بتقدير، وتبقى أنت "الراجل اللي معاه الأرقام"، والباب اللي الكل بيخبط عليه عشان يعرف بكرة مخبي إيه..!!

النهارده؟

الوضع اختلف خالص.. ممكن أي مدير أصغر منك بخمس سنين يرفع ملف المبيعات على أي أداة ذكاء اصطناعي، ويقولها ببساطة: "حلل لي الـ Sales Trend، وقسم العملاء، وقارن المناطق، وطلع الـ Anomalies، وابني سيناريوهات للـ Forecast".. وكل ده خلال دقائق معدودة..!!

وممكن كمان يطلع من الاجتماع بـ Presentation أحسن من بتاعتك ألف مرة، وبتلمع كمان.. 😂

فهل معنى كده إن الـ Ai جاي ياخد مكان المدير التجاري..؟!

في الحقيقة، السؤال نفسه غلط.. وسطحي بدرجة غباء تكفي لإقناعك أن الأرض مسطحة، أو أن جمهور برشلونه بيشجع ريال مدريد..!!

لأن السؤال الأهم عندي بجد هو لما الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الإدارة... إيه اللي هيفضل من قيمة المدير نفسه؟

لأن جزءا كبيرا من الشغل اللي كنا زمان بنعتبره "خبرة سنين وعرق ومجهود"، أصبح بيتعمل دلوقتي في ثواني..

والأبحاث مش ساكتة؛ خد عندك تجربة ميدانية لطيفة جداً عملها باحثون من Harvard بالتعاون مع BCG على 758 مستشارا، لقوا إن استخدام GPT-4 في المهام اللي بتقع في نطاق قدراته خلّاهم ينجزوا شغلهم أسرع بأكثر من 25%، وتحسنت جودة الأداء بأكثر من 40%..

لكن الدراسة طلعت بمفهوم مرعب شوية اسمه Jagged Technological Frontier.. يعني الذكاء الاصطناعي مش ماشي بخط مستقيم؛ تلاقيه عبقري في حتة، وغبي بسذاجة شديدة في حتة تانية مشابهة تماماً..

والأخطر إن نفس الدراسة وجدت إنه في مهمة معقدة خارج نطاق قدراته كان مستخدمو الـAI أقل وصولا للحل الصحيح بـ19 نقطة مئوية يعني الأداة نفسها اللي ممكن ترفع أداءك بشكل ضخم في مهمة، وممكن تخليك أكثر ثقة في إجابة غلط في مهمة تانية..

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

ودي بالنسبة لي نقطة البداية..

هل الذكاء الاصطناعي قوي والإجابة.. آه..

بس دي لا تعني أبداً إنه "فهم البزنس" احسن منك وبقي بديل عنك..

وتعالي مع بعض نشوف المشهد ده..

المشهد الأول: الـ Forecast طالع ممتاز.. بس السوق مش شايفه..!!

تخيل معايا شركة سلع استهلاكية (FMCG) قاعدة بتراجع الـ Forecast بتاع الـ Quarter الجاي. دخلنا الـ Historical Sales، وحسبنا الـ Seasonality، وحطينا الـ Promotions والـ SKU Performance، وطلبنا من الـ AI يعمل واجبه ويبني الـ Forecast..

النتيجة؟ Model خيالي الأرقام منطقية، والرسوم البيانية تفتح النفس، والعرض واثق في نفسه لدرجة تخليك تحس إن الشركة رايحة عالسحاب..

لكن فيه معلومة صغنونة خالص، مش موجودة في أي Data في العالم: ان أحد الموزعين الرئيسيين عنده Stock يغطي شهرين قدام، بسبب "Loading" حصل في آخر أسبوع في الـ Quarter اللي فات عشان أفندية المبيعات يقفلوا الـ Target وياخدوا البونص!

هنا الذكاء الاصطناعي عمل إيه؟ حلل البيانات اللي قدمتهاله ببراعة بس هل المبيعات اللي شافها دي كانت Sell-in حقيقي بيعكس طلب حقيقي من السوق؟ ولا إحنا نقلنا المخزون من مخزن الشركة إلى مخزن الموزع المظلم وسميناه "Growth"?

دي مش مشكلة AI خالص.. دي مشكلة Business Understanding

فلو المدير اللي قاعد مش فاهم الفرق بين حركة المنتج جوه القناة (Channel) وحركته الفعلية في ايد المستهلك النهائي.. فالذكاء الاصطناعي مش هيحل مكانه، بالعكس ده هيخلي الغلطة بتاعتك أكتر إقناعاً ووجاهة..

يعني هيزود الطين بلة بس بشياكة..!!

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

تعالي بقي للمشهد الثاني:

هو الموزع ضعيف.. ولا إحنا اللي بنديره غلط؟

سيناريو بيتكرر قدامنا في كل حتة في عالم الـ FMCG.

تقرير المبيعات بيقول إن Distributor ما  Underperforming بنحط أرقامه قدام الـ AI، فيطلع لنا روشتة جاهزة: ضعف Coverage، انخفاض Productivity per Rep، تراجع Average Drop Size.. ويقترح علينا Action Plan تحفة.

بس لو نزلت بنفسك لفه في الشارع، هتكتشف العجب العجاب.. ان المشكلة مش في الموزع أصلاً.. من اول الـ SKU Mix اللي نازل غلط للمنطقة دي بالذات، أو الـ Price Architecture اللي عاملة خناقة بين الجملة والتجزئة، أو المنتج محطوط في الرف التحتاني والزبون مش شايفه، أو إن المنافس نازل بـ Route-to-Market أذكى منك بكتير..!!

فالذكاء الاصطناعي بيحلل اللي بتقدر تقيسه وبس.. لكن المدير الصح هو اللي بيعرف يسأل: "إيه أصلاً اللي إحنا مش قايسينه؟"

نروح بقي للمشهد الثالث:

المنتج الجديد ناجح جداً.. في الـ Presentation

هنطلق منتج غذائي جديد، ونطلب من الذكاء الاصطناعي Market Analysis، وConsumer Personas، وPositioning، وPricing، وGTM Plan فيطلعلك خطة تدرس في الجامعة..

ننزل بالمنتج، ندب الموزعين، المندوبين ينزلوا بالـ Targets، المنتج يغرق آلاف المنافذ.. والـ Distribution يولع أخضر فنحتفل هوبا بعد شهرين؟ المستهلك مش بيسحب حاجة من عالرف..!!

المخزون بيتراكم، والصلاحية بتقرب، الموزع بيلطم ويطلب خصومات، والمنتج يرد في وشنا زي القنبلة اليدوية..

ليه؟ لأن الـ Distribution عمره ما كان Demand ووجود البضاعة على الرف لا يعني أن البني آدمين عايزين يشتروها.. وهنا الخطر كله بيظهر في ان الـ AI ممكن يساعدك تجاوب بشياكة شديدة جداً على السؤال الغلط.

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

وهنا.. بيدخل علم النفس غرفة الاجتماعات..

بحكم خلفيتي ودراستي للصحة النفسية، دايماً ببص للموضوع ده من منظور إنساني بحت.. لأن أنا مش قلقان من غباء الذكاء الاصطناعي.. أنا مرعوب من الإنسان اللي بيستخدمه..

المدير مش داخل على الأداة بعقل صفحة بيضاء هو داخل عليها بكرشه، وبتاريخه، وبمخاوفه، وبآرائه المسبقة، وبمصالحه وبغباؤه الشخصي كمان فلو أنا من جوايا مقتنع إن "فريق المبيعات ده فاشل"، هدخل أكتب الـ Prompt بطريقة تخلي الـ AI يطلعلي أدلة قاطعة تثبت إن فريق المبيعات فاشل!

ودي اللي بنسميها علمياً Confirmation Bias (الانحياز التأكيدي). الذكاء الاصطناعي هنا بيتحول من محقق أمين.. إلى محامي مبدع يبرر لك أخطاءك.

وفي خطر أفظع اسمه Automation Bias.. إنك تبدأ تصدق أي حاجة طالعة من الشاشة لمجرد إنها مكتوبة بخط منمقة وألوان هادية. دراسة حديثة لـ Carnegie Mellon وMicrosoft Research شملت 319 من العاملين في الوظائف المعرفية، لقوا إن كل ما ثقة الناس زادت في الـ GenAI، كلما قل تفكيرهم النقدي وجهدهم العقلي الإجابة بتبقى حلوة وجاهزة، فالمخ بيرتاح ويقفل!

وده بياخدنا لحقيقة صادمة ان الـ Prompt عمره ما كان Strategy. ممكن تكتب Build me a Go-to-Market Strategy فتاخد 20 صفحة بيرفكت. بس هل عرفت الـ Beachhead Market الصح؟ هل الـ ICP مبني على واقع حقيقي ولا وهم؟ هل الموزع عنده قدرة ينفذ ولا لأ؟

فخلاصة القول..ان الذكاء الاصطناعي يا صديقي القارئ مش بديل للخبرة، وبرضه مقولة "إنه مجرد أداة عادية" دي كلمة ناقصة ومريحة زيادة عن اللزوم.

الذكاء الاصطناعي مضاعِف (Multiplier) فلو عندك Business Understanding حقيقي، وData نظيفة، وعقل بيعرف يشك وينتقد ويحلل.. هيضاعفلك سرعتك وجودتك ألف مرة..

لكن لو عندك Assumptions غلط، وفهم سطحي، وعقل كسول.. هيساعدك تعمل نفس الكارثة، بس أسرع.. وأشيك.. وفي PowerPoint يجنن..!!

عشان كده، سؤالي مش هل الروبوت هياخد مقعدك؟ السؤال الحقيقي والأصعب لما كل الشغل البائس بتاع التحليل والبحث والـ Presentation بقى بيخلص في ثواني.. إيه القيمة الحقيقية اللي إنت شخصيا بتضيفها للقرار؟

فلو عندك إجابة.. نام وانت مرتاح، لان الذكاء الاصطناعي ده ألطف صاحب ممكن تقعد معاه في المكتب..

اما لو ملقشتش إجابة.. فالصدمة مش إن الـAi جاي ياخد مقعدك.. يمكن هو ببساطة جه علشان يكشف إنك كنت قاعد في المقعد الغلط من زمان ومحدش كان واخد باله..!!


عن الكاتب: أعمل في الإدارة التجارية وتطوير الأعمال منذ أكثر من 20 عامًا في قطاعي الـFMCG والصناعات الغذائية بين المبيعات والتوزيع والتسويق واستراتيجيات النمو. أحمل درجة الماجستير المهني في إدارة الأعمال، ودرجة الدكتوراه في الصحة النفسية، وهو تخصص جعلني أنظر إلى القرارات التجارية ليس فقط من زاوية الأرقام، ولكن أيضًا من زاوية السلوك الإنساني والانحيازات التي تقف خلفها.. أكتب هنا عن الذكاء الاصطناعي من زاوية مختلفة.. وهي ماذا يحدث للقرار التجاري عندما تجلس الآلة الذكية إلى جوار الإنسان في غرفة واحدة؟

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد