خدوش مصطنعة على ساتر بارليف: كيف يربك التوليد البصري أرشيف حرب أكتوبر؟
استمع لهذا المقال
بصوت زياد (Ziyad)
لم تكن الرمال في الصور المتداولة من صحراء سيناء، ولم تكن بذات الجندية من خنادق عام 1973، لكنها بدت لمن يراها وثيقة عتيقة خرجت لتوها من ألبوم صحفي قديم. عبر منصات التواصل، أزاح الذكاء الاصطناعي المسافة الزمنية لذكرى حرب أكتوبر، فاتحا الباب أمام مستخدمين مصريين للانتقال من موقع المتفرج على وثائق العبور إلى مقاتل متخيل يقف في قلب المشهد، بعدما تحولت تفاصيل الساتر الترابي وخراطيم المياه إلى مادة توليد بصري تتسابق عليها الحسابات الرقمية.
حين تستعير خوارزميات التوليد خدوش العدسات القديمة، يتحول التزييف البصري إلى محاكاة مربكة للوثيقة. لم يكتف صانعو المحتوى على منصة «تيك توك» بإعادة رسم لقطات عامة لجنود يرفعون العلم المصري، بل قدمت حسابات أوامر توجيهية تدعو المستخدم إلى رفع صورته الشخصية، ليعيد النموذج تركيب ملامحه داخل زي عسكري من سبعينيات القرن الماضي وهو يوجه مضخة مياه نحو خط بارليف. واللافت في صياغة الأوامر أنها لم تطلب مشهدا رقميا خارقا، بل اشترطت محاكاة التصوير الوثائقي بدقة، متضمنة حبيبات الفيلم الكلاسيكية، والخدوش الخفيفة، والتفاصيل التي تحاكي اللقطات الصحفية الحقيقية.
هذا التوسع في استدعاء التاريخ أنتج انقساما لافتا أوردت بعض جوانبه حلقة برنامج «شبكات». فبينما رأى متابعون أن التحول الرقمي أضفى نكهة مختلفة على الاحتفاء بالذكرى السنوية، عارض آخرون هذا المسار بحجة أن حرب أكتوبر وقيمتها تفوقان قدرة الذكاء الاصطناعي واختزال المعركة في صور استعراضية مصممة لجذب المنصات، مؤكدين أن ما جرى على الأرض كان معجزة إنسانية وعسكرية لا يمكن للآلة أن تتجاوزها أو تعيد صياغتها بصورة أفضل.
المسألة لم تتوقف عند حدود البطاقات الشخصية أو المشاهد العابرة، بل امتدت إلى الإنتاج الدرامي المتكامل. فقد تداول مستخدمون على منصة «إكس» مقاطع من فيلم روائي قصير بعنوان «التوجيه 41»، تصل مدته إلى 9 دقائق ومصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، ليقدم معالجة بصرية لحرب أكتوبر. هذا الانتقال من الصورة الفردية إلى السرد الفيلمي يضع أدوات التوليد أمام اختبار جديد، تختلط فيه رغبة المعالجة الفنية بمخاطر التداخل مع الأرشيف.
المعضلة الجوهرية لا تكمن في قدرة الأداة على التخيل، بل في منافستها المباشرة لسجلات التاريخ المصور. فالصورة المولدة، حتى وإن نسخت عناصر موثقة مثل مضخات المياه وخراطيم فتح الثغرات التي تبرزها ملفات الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، تظل عملا مصطنعا يستعير لغة الرموز الجاهزة. وكلما تعمدت هذه النماذج تقليد علامات الزمن الصحفية، تعاظم خطر اختلاط المصنوع بالوثيقة الأصلية في أذهان الأجيال القادمة، ما لم يقترن العمل بإفصاح صريح وقاطع يحدد طبيعته التقنية.
هذا التطور لا يقف عند حدود التفاعل الموسمي، بل يفرض تحولا مباشرا على واقع صناع المحتوى والمصممين وفرق التحرير في مصر والمنطقة العربية. إن سهولة استدعاء المشاهد المركبة تعني أن كلفة إنتاج المحتوى التاريخي والدرامي انخفضت جذريا، لكنها نقلت عبء التميز من مجرد إتقان كتابة الأوامر إلى امتلاك مهارات التحقق والأرشفة الرقمية. وعلى غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية أن تطور معايير تدقيق صارمة تفصل بين اللقطات التاريخية والمواد المولدة، فالمصداقية المهنية أصبحت مهددة بمحتوى يستنسخ ملامح الماضي دون سياقه الواقعي.
يبقى الرهان الحقيقي في وضوح الحدود الفاصلة بين المحاكاة الفنية والتوثيق الحي. إن إحياء المناسبات الوطنية بأدوات العصر يفتح مساحات جديدة لتفاعل الشباب مع ذاكرتهم، لكن هذه الأعمال تكتسب قيمتها فقط حين تقدم بوصفها تجارب رقمية معلنة، لا وثائق بديلة عن وقائع تاريخية لا تصنعها الخوارزميات.