من ChatGPT إلى L5: كفاءة الذكاء الاصطناعي تدخل شروط التوظيف بدرجة مرقّمة
استمع لهذا المقال
بصوت زياد (Ziyad)
في إعلان وظيفة تنفيذي حسابات في عمّان، بين سطر يطلب سنتين من الخبرة في قطاع الاتصالات وسطر يطلب إتقان العربية والإنجليزية، يجلس شرط ثالث بصيغة غريبة على إعلانات المنطقة: «كفاءة الذكاء الاصطناعي، الحد الأدنى L2 إلى L3». لا شهادة مطلوبة، ولا مهارة برمجية. مستوى فقط، مكتوب بالطريقة نفسها التي تُكتب بها مستويات اللغة في السيرة الذاتية.
الإعلان يعود إلى Unifonic، شركة الاتصالات السحابية السعودية التي تقدّم منصتها اليوم كمنصة تجربة عميل مبنية على الذكاء الاصطناعي. وقراءة لوحة وظائفها المفتوحة في الثاني عشر من سبتمبر 2026 تكشف أن السطر ليس زلة في إعلان واحد: يتكرر في إعلان مدير حسابات استراتيجي في الرياض بالمستوى نفسه، L2 إلى L3، ويظهر في إعلان مدير هندسة جودة البرمجيات في القاهرة بمستوى أعلى بكثير، L5.
المستويان يطلبان شيئين مختلفين تمامًا. في الدور التجاري، يشرح الإعلان الحد الأدنى بأنه فهم أساسي إلى عملي لأدوات الذكاء الاصطناعي مع القدرة على تطبيقها في مهام البيع، ويسمّي الاستخدام المتوقع: البحث عن العملاء المحتملين، وتخصيص رسائل التواصل، واستخراج رؤى من نظام إدارة العلاقات، ومتابعة خط الفرص. والأدوات المذكورة هي ما يستخدمه الناس فعلًا: ChatGPT وMicrosoft Copilot وGemini. أما في دور الجودة، فالمستوى L5 يقابله في نص الإعلان طلب صريح بفهم اختبار الميزات القائمة على الوكلاء: كشف الهلوسة (hallucination detection)، والتأريض (grounding)، وحواجز الحماية (guardrails)، وسلوك الرجوع الآمن (fallback behavior)، ومقاومة حقن التوجيهات (prompt injection).
هذه مسافة واسعة تحت عنوان واحد. القارئ الذي يقرأ عبارة «كفاءة الذكاء الاصطناعي» ويفترض أنها تعني أنه يستخدم ChatGPT في عمله سيكون محقًا في وظيفة، ومخطئًا تمامًا في وظيفة أخرى على لوحة الشركة نفسها.
وفي إعلان الرياض تفصيل يستحق التوقف عنده. الدور هناك يدير حسابات حكومية ومؤسسات مالية وشركات اتصالات وكبار العملاء في قطاعات منظَّمة، ويُطلب من صاحبه في الوقت نفسه مستوى عملي في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل نمو الحسابات. بعبارة أخرى، الكفاءة المطلوبة خرجت من الفرق الهندسية وصارت شرطًا على من يجلس أمام عميل حكومي. ويقابل ذلك أن المستوى الأعلى، L5، معلّق على دور يطلب عشر سنوات في التطوير أو الاختبار، وسبعًا في أدوار الجودة، وثلاثًا في إدارة فرق الاختبار، في حين أن المستوى L2 إلى L3 معلّق على دور في عمّان يكفيه سنتان من الخبرة. الدرجة إذن مربوطة بالوظيفة وبموقع صاحبها في سلّم المسؤولية في الوقت نفسه.
الأهم من أسماء الأدوات أن الشرط صار قابلًا للقياس. حين تحوّل شركة كفاءة الذكاء الاصطناعي إلى مستوى مرقّم، فهي تفعل بها ما فعلته من قبل باللغة: تنقل المهارة من خانة الادعاء في السيرة الذاتية إلى خانة ما يمكن سؤالك عنه في المقابلة، وقياس جوابك عليه. عبارة «ملمّ بالذكاء الاصطناعي» لا تقابل أي مستوى. الجواب الذي يقابل مستوى هو مهمة محددة أنجزتها بأداة محددة، وما الذي تغيّر في نتيجتها.
ويستحق حجم الدليل أن يُقال بدقة. هذه لوحة وظائف شركة واحدة، تحمل السطر في ثلاثة إعلانات مفتوحة اليوم وفي إعلان رابع أُغلق. ليست سياسة إقليمية، ولا معيارًا اعتمده سوق العمل الخليجي، ولا مؤشرًا على أن بقية الشركات ستحذو حذوها. لكنها ممارسة مكتوبة وعلنية وقابلة للتحقق لدى شركة سعودية توظّف في ثلاث دول: السعودية والأردن ومصر. والسؤال الذي يستحق المتابعة في الأسابيع القادمة هو ما إذا كان السطر سينتقل إلى إعلانات شركات أخرى في القطاع نفسه، وما إذا كانت أي منها ستنشر تعريفًا واضحًا لكل مستوى بدل الاكتفاء بالرقم. شرط لا يُعرَّف علنًا يصعب أن يستعد له أحد.
وخطوتك العملية أصغر من إعادة بناء مسارك. افتح سيرتك الذاتية على سطر الذكاء الاصطناعي إن كان فيها سطر كهذا، واستبدله بمهمة: الأداة، والعمل الذي أنجزته بها، والنتيجة التي يمكن قياسها. ثم اقرأ إعلان الوظيفة الذي تستهدفه مرة أخرى، وحدّد ما يطلبه منك بالضبط: أن تستخدم الذكاء الاصطناعي، أم أن تحكم على مخرجاته. المطلبان يقودان إلى مقابلتين مختلفتين، والاستعداد لهما ليس واحدًا.