تفكيك المهام الروتينية بالذكاء الاصطناعي يكسر السلم الوظيفي للمبتدئين في قطاعات المعرفة
باتت إعادة هيكلة الشركات الكبرى مسارا تنفيذيا معلنا تديره خوارزميات الذكاء الاصطناعي بعد أن كانت ترتبط بالأزمات المالية الطارئة. ففي أسبوع واحد، أعلنت منصة «كانفا» لتصميم البرمجيات أن أكثر من خمس قوتها العاملة ستتأثر بإلغاء الوظائف أو تعديل الأدوار ونقل المهام تزامنا مع إعادة التنظيم الداخلي حول النماذج الذكية، بينما سرّحت شركة «نايس» لبرمجيات خدمة العملاء نحو خمسمئة موظف في الفترة نفسها. تكرر هذا المشهد في التقارير الفصلية لعدة شركات عالمية، حيث أبلغ المسؤولون التنفيذيون المستثمرين أن الأنظمة الجديدة تتيح تقليص النفقات وإدارة العمليات بأعداد أقل، مما يجعل التسريحات الظاهرة مجرد واجهة خارجية لتحول أعمق يتسلل إلى داخل الوظائف القائمة عبر أتمتة مهام التلخيص والفرز والصياغة تدريجيا.
يوضح فهد بزّاري، الشريك الإداري في شركة «بيلامي ألدن»، أن التفكير في مسألة إحلال الذكاء الاصطناعي وفق منطق حدي، إما أن يشغل الروبوت مقعدك أو لا يشغله، هو مدخل غير دقيق. فالتقنية لا تبتلع الوظيفة دفعة واحدة، بل تستحوذ على المهام الجزئية داخلها، وهو ما يحدده عبر اختبار من سؤالين محددين: أولهما، هل يمكن تعليم هذه المهمة لموظف جديد يتمتع بالكفاءة؟ إن كانت الإجابة نعم، فإن النماذج قادرة على تعلمها أيضا. وثانيهما، هل تتكرر هذه المهمة باستمرار؟ فكلما زاد معدل تكرارها، ارتفع الحافز الاستثماري لأتمتتها. وبناء على هذا المعيار، لا تشكل المهارة العالية وحدها درعا واقية؛ فالمحامي الذي يفحص مستندات الخصم بحثا عن تناقضات وثغرات يمارس عملا عالي الكفاءة، لكنه يبحث عن الأنماط نفسها في كل قضية، مما يجعل مهمته قابلة للتدريب الآلي. وهذا ما يفسر نتائج أبحاث نشرتها شركة «أنثروبيك» مطلع العام الجاري، والتي بينت أن الفئات الأكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي هم في الغالب أصحاب التعليم الأعلى والأجور الأكبر.
حددت قراءات السوق خمس وظائف تقع مباشرة في خط المواجهة: الأعمال الكتابية، ومسك الدفاتر المحاسبية، والترجمة، وخدمة العملاء في خطوط الدعم الأولى، والكتابة الروتينية. وتتطابق هذه الرؤية مع تقييم الدكتورة سمية العسكري، الأستاذة المشاركة في التسويق بالجامعة الكندية في دبي، التي تضم إدخال البيانات والدعم الإداري وإنتاج المحتوى النمطي إلى هذه القائمة، مؤكدة أن الخطر يتمثل في أتمتة المهام وتغيير متطلبات التوظيف لا في زوال المهن بالكامل. من جهتها، تشير موساتا ماتي، مسؤولة الشراكات في منظمة «نساء في الذكاء الاصطناعي» ونائبة رئيس المشاريع في حاضنة الابتكار بأحد مصارف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الكبرى، إلى أن القاسم المشترك بين هذه الأدوار هو اعتمادها على مهام متوقعة ومكثفة المعلومات كالقراءة والفرز والتدقيق. وتفيد تقديرات منظمة العمل الدولية بأن وظيفة واحدة من كل أربع وظائف حول العالم باتت معرضة لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع تركز الأثر في الأعمال المكتبية، حيث تقع 9.6 بالمئة من وظائف النساء في الدول ذات الدخل المرتفع ضمن الفئة الأعلى عرضة للأتمتة مقابل 3.5 بالمئة لوظائف الرجال.
الذكاء الاصطناعي ينجز الخطوة الأولى بكفاءة، لكنه لا يضمن دقة النتيجة بمفرده. توضح ماتي هذه الفجوة داخل القطاع المصرفي، حيث تتوسع أتمتة عمليات التحقق من هوية العملاء وفحص المعاملات، إذ يمكن للنماذج تسريع ما بين سبعين إلى ثمانين بالمئة من حجم المهام التنفيذية، غير أن النسبة المتبقية تتطلب حصرا الحكم البشري، والفهم السياقي، والمساءلة القانونية. وتضرب الدكتورة العسكري مثلا ببيئة الأعمال في دولة الإمارات، مؤكدة أن استيعاب سلوك المستهلك المحلي والخصوصية الثقافية متعددة اللغات لا يمكن اختزالهما في مسودة إعلانية تولدها خوارزمية. ومن هنا يميز بزّاري بين نمطين للعمل: الأول يقوده الإنسان وتدعمه التقنية، وينطبق على كل نشاط يتطلب وجودا ماديا أو تفاوضا أو مسؤولية شخصية عن القرار؛ والآخر يقوده الذكاء الاصطناعي بإشراف هندسي وبشري، وهو ما طبقته شركته في برامج التدريب عبر استبدال مديري التسويق بمهندسي تسويق يشرفون على النماذج التوليدية بعد أن خفضت عميلة لديهم زمن كتابة تسعين بالمئة من العروض من ثلاثة أسابيع إلى ثلاثة أيام مع رفع نسبة الفوز بها.
وعندما فحصنا مسارات التوظيف، تبيّن لنا أن التحدي الهيكلي الأكبر يتمثل في تآكل درجات السلم الوظيفي الأولى للملتحقين الجدد بسوق العمل. فالوظائف المبتدئة تتكون في جوهرها من المهام الروتينية التي تبتلعها الأتمتة اليوم، وهو ما يحرم الخريجين من مساحة التمرين التي تصقل خبراتهم عبر العمل المباشر. وقد بدأت ملامح هذا الانقطاع بالظهور فعليا؛ إذ خفضت شركة «بي دبليو سي» في المملكة المتحدة خلال سبتمبر 2025 أعداد الخريجين المقبولين من ألف وخمسمئة إلى ألف وثلاثمئة متدرب تحت ضغط الأتمتة وعوامل أخرى، كما رصد باحثون في مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد تراجعا ملحوظا في توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاما في التخصصات الأكثر عرضة للذكاء الاصطناعي. وهنا تبرز المعضلة المستقبلية لأرباب العمل: إذا أغلقت المؤسسات أبواب تعيين المبتدئين اعتمادا على البرمجيات، فمن أين ستأتي الكفاءات الخبيرة لإدارة المؤسسات غدا؟
إعادة توزيع المهام تفرض على الكفاءات في الخليج ومصر والشام الانتقال السريع من دور المنفذ إلى موقع المدقق. ففي المراكز المالية الخليجية التي تسارع إلى دمج الوكلاء الأذكياء في أنظمة التدقيق ومكافحة غسل الأموال وخدمة العملاء، انتقل ميزان التنافس من سرعة إدخال البيانات أو ترجمة المستندات إلى امتلاك مهارات الحوكمة وإدارة المخاطر والقدرة على مساءلة مخرجات النماذج. أما في مراكز التعهيد والخدمات المشتركة في مصر والأردن ولبنان، فإن تراجع تكلفة الصياغة والفرز الآلي يهدد الأدوار المكتبية التي كانت تعتمد على الكثافة العددية، مما يفرض على الجامعات ومسؤولي الموارد البشرية إعادة تصميم مسارات التدريب؛ فالقيمة السوقية للمرشح لم تعد تقاس بمدى استخدامه للأدوات، بل بقدرته على توجيهها نقديا وربط مخرجاتها بالبيئة التنظيمية والثقافية المعقدة لأسواق المنطقة.
تؤكد بيانات تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن تسعة وثلاثين بالمئة من المهارات الحالية للعاملين ستتبدل أو تفقد قيمتها بحلول عام 2030، ورغم توقع إلغاء 92 مليون وظيفة مقابل استحداث 170 مليون دور جديد عالميا، فإن الفارق يكمن في كيفية استثمار وفورات الإنتاجية. إن النطاقات الأكثر رسوخا في وجه الأتمتة تظل مرتبطة بمهام التقدير الإنساني في الأزمات، والمهن الميدانية، والعلاقات القائمة على الثقة كالمبيعات المعقدة والإرشاد، إلى جانب مجالات حوكمة التقنية والأمن السيبراني. والخطوة العملية التي تفرض نفسها عليك هي بناء كفاءة تطبيقية وتجريبية مستمرة، وحفظ ملف إنجاز يثبت قدرتك على حل مشكلات تشغيلية معقدة بالتكامل مع الذكاء الاصطناعي؛ فالرهان الحقيقي لم يعد على حماية الوظيفة القديمة، بل على قيادة النظام الذي يديرها.