طالب في السابعة عشرة يضع لغة الماساي بين يدي الذكاء الاصطناعي في منتدى اليونسكو بالرياض
استمع لهذا المقال
بصوت سارة (Sarah)
في قاعة تغص بقادة التقنية وصناع السياسات في الرياض، وقف فتى في السابعة عشرة ليقول جملة واحدة أعادت ترتيب الأولويات: الحلول التي تخدم المجتمعات يجب أن تكون بأيدي تلك المجتمعات. لم تكن عبارة إيثان ليم مطروحة كشعار، بل كخلاصة عامين من العمل الميداني مع شعب الماساي في كينيا، حيث بنى "ماساي جي بي تي"، نموذج لغوي كبير لا يطارد المعايير العالمية، بل يحرس لغةً وثقافةً توشك على الاختفاء.
بدأ الأمر برحلة مدرسية إلى أمبوسيلي، حيث عاش إيثان شهرين بين الماساي، وتعلم رعي الماشية بلغتهم، وشهد بأم عينه كيف يُجبر التغير المناخي العائلات على ترك قراها، تحمل معها طقوسها وقصصها الشفوية نحو المجهول. خسر الماساي ما بين 40 و60 في المئة من مواشيهم بسبب الجفاف ونقص العناصر الغذائية، ومع كل رحيل تموت كلمة، وتموت حكاية.
لم يكن إيثان مبرمجاً حين قرر التحرك. استعان بـ "البرمجة بالحدس"، وهو مصطلح يُطلق على كتابة الكود بمساعدة نماذج توليدية، وبنى نموذجاً يحقق 98 في المئة دقة في ترجمة لغة الماساي إلى الإنجليزية والسواحيلية. لكن الترجمة لم تكن سوى البداية. يضم النموذج مكتبة من 11 ألف وثيقة وتسجيل صوتي أنتجها الماساي أنفسهم، وخرائط فضائية ترصد المراعي والمياه فتهدي الرعاة إلى أفضل المسارات، وروبوت محادثة يُعلّم الثقافة لمن يرغب. كل ميزة وُضعت لأن المجتمع طلبها، لا لأن مطوراً افترض حاجتها.
في منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي استضافته الرياض مؤخراً، كان إيثان أصغر المتحدثين سناً، فلا يندرج حتى تحت تعريف الأمم المتحدة "للشباب" (18-35 عاماً). سبق أن تحدث في الأمم المتحدة بنيويورك، لكن الرياض تركت فيه انطباعاً مختلفاً: "مدينة تُشعرك بالفرصة والإمكان، أينما نظرت تجد شيئاً يُبنى".
ما يعنيه هذا للقارئ في الخليج ليس مجرد قصة ملهمة من بعيد. المنتدى نفسه انعقد في قلب المنطقة، والرسالة التي حملها إيثان: أن الذكاء الاصطناعي الأخلاقي يتحقق حين تملك المجتمعات تقنيتها، تتحدث مباشرة عن سيادة البيانات، وعن نماذج الحوكمة التي ترسمها الرياض وأبوظبي والدوحة الآن. حين تستخدم قبيلة في كينيا الأقمار الصناعية لرعي ماشيتها، وتجلس لتفاوض الحكومة بلغتها الخاصة عبر نموذج بناه ابنها، فالمعنى يتجاوز "الحفاظ على التراث" إلى بناء قدرة تفاوضية حقيقية.
إيثان سيعود إلى كينيا ربيع 2027 مع خمسة عشر طالباً من سان دييغو، ويطمح لدراسة الأنثروبولوجيا. معلمه تيموثي ستيفن يلخص الدرس: "الطلبة يصلون إلى نقطة تفوق أعمارهم الفكرية. إيثان مثال حي على أن الفكرة الجيدة لا تكفي، الملكية والتنفيذ هما الفارق".
المنتدى عقد في الرياض، لا في جنيف أو نيويورك، وهذا بحد ذاته إشارة: المنطقة لم تعد متلقية للمعايير، بل باتت ساحة لكتابتها. النموذج ملك للمجتمع، لا لشركة ولا لحكومة، وهذا يغير معادلة الثقة. المناخ لا ينتظر، والتقنية التي لا تخدم من يواجه الجفاف اليوم ستظل ترفاً نظرياً.