إكسبو سيتي دبي: الاختبار الأصعب للتقنية الذكية ليس النشر بل الحوكمة
استمع لهذا المقال
بصوت فادي (Fadi)
عندما تتحدث نادية فيرغي، المديرة التنفيذية لإكسبو سيتي دبي، عن «الاختبار الأصعب» للتقنية الذكية، لا تقصد تركيب المستشعرات أو نشر الكاميرات أو حتى تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. الاختبار الحقيقي، في رأيها، هو ما يأتي بعد ذلك: هل تستطيع المدينة استخدام المعلومات الناتجة لحل مشكلات حقيقية واتخاذ قرارات خاضعة للمساءلة؟
هذا السؤال يكتسب ثقلاً متزايداً مع بدء إكسبو سيتي دبي تجاربها مع الذكاء الاصطناعي. تصف فيرغي منظمة لا تزال تتعلم أين تساعد التقنية، وما الذي يجب توفره قبل أن تتمكن من التأثير في كيفية إدارة المدينة. واللغة ذاتها تتحول: من «المدينة الذكية» التي تتباهى بنشر التقنيات، نحو «الذكاء الحضري» حيث تصبح التقنية جزءاً من نظام تشغيل المدينة لا هدفاً بحد ذاتها.
ثلاثة عناصر تراها فيرغي حلقة متصلة لا طبقات منفصلة: البيانات التي تخبرنا كيف تعمل المدينة، والبنية التحتية التي تستجيب لتلك المعلومات وتولّد المزيد منها، والحوكمة التي تحدد ما يمكن جمعه وربطه وتنفيذه، ومن يظل مسؤولاً عن القرارات الناتجة. الخطر، كما تقول، أن تعمل تقنية متطورة داخل أنظمة مؤسسية مجزأة. يمكن أن تملك المدينة كميات هائلة من البيانات وتظل تفتقر إلى الذكاء.
الثقة هي الخيط الناظم لكل ذلك. يحتاج الناس ثقة في كيفية استخدام بياناتهم، والمؤسسات تحتاج ثقة في جودتها، وصناع القرار يحتاجون لفهم ما تظهره الأدلة وما لا تظهره. إطار إكسبو سيتي الحضري يطبق هذا النهج عبر 131 مؤشراً من مصادر متعددة تقيس صحة المكان من خلال مخرجات بيئية واجتماعية وحضرية.
على صعيد الذكاء الاصطناعي، تعترف فيرغي بأنهم في المراحل المبكرة عمداً. نقطة البداية ليست «أين نستطيع استخدامه» بل «ما نحاول تحسينه». حتى الآن، أنجع التجارب تتعلق بكيفية عمل الفرق لا بكيفية تشغيل المدينة. اختبروا الذكاء الاصطناعي عبر الفرق ليروا أين يحسن الجودة أو الكفاءة، وأين يغير طريقة التفكير، وأين يضيف مجرد طبقة عمل متنكرة في زي الإنتاجية. رأوا الحالات الثلاث. وهذا مهم لأن المنظمة بيئة آمنة نسبياً للتعلم: فشل تجربة في سير العمل قد يكلف وقتاً ضائعاً، لكن تسامح الخطأ يختلف تماماً عندما تبدأ التقنية في التأثير على أنظمة حضرية حية وحياة الناس.
الدرس الأوضح الذي استخلصوه: «قدرة الذكاء الاصطناعي» و«جاهزية الذكاء الاصطناعي» ليسا شيئاً واحداً. قد يكون النموذج تقنياً قادراً على أداء مهمة، لكن هل تملك المنظمة، ناهيك عن المدينة، البيانات، والأذونات، والأمن السيبراني، والحوكمة، والقدرة البشرية لنشره بمسؤولية؟ أحياناً تؤدي التقنية المهمة قبل أن تكون البنية المؤسسية جاهزة. أحياناً يوفر الذكاء الاصطناعي وقتاً كبيراً. وأحياناً ينجز الإنسان المهمة أسرع. هذا الاحتكاك مفيد لأنه يكشف أين تكمن القيمة الحقيقية.
طموح الإمارات يمنح هذه التجارب زخماً. التحول نحو الخدمات الحكومية الوكيلة (Agentic) يجعل أسئلة البنية التحتية، والمواهب، والحوكمة، والجاهزية المؤسسية عمليةً لا نظرية. وتدعو فيرغي المدن إلى عدم تعلم هذه الدروس وحدها: إكسبو سيتي دبي تجمع المدن لمقارنة ما نجح وما فشل وما قد ينطبق في مكان آخر. المرحلة القادمة من الذكاء الحضري، في نظرها، لا ينبغي أن تكون تنافساً حول من نشر أكبر قدر من الذكاء الاصطناعي، بل سؤالاً عن أين يتضافر الذكاء البشري والاصطناعي لإنتاج نتائج حضرية أفضل.
ما يعنيه ذلك لمن يعمل في المنطقة: التجربة في إكسبو سيتي دبي ليست دراسة حالة أكاديمية. هي مختبر حي لحوكمة الذكاء الاصطناعي في سياق حضري خليجي، وتكشف أن العائق ليس توفر النماذج بل نضج المؤسسات التي ستديرها. لمن يبني منتجات أو سياسات في المنطقة، الإشارة واضحة: الاستثمار في جاهزية البيانات والحوكمة البشرية يسبق وينوب عن السباق لنشر أحدث نموذج.