تخطَّ إلى المحتوى

شبكات التدفئة الذكية تختبر فيزياء التأخر الحراري: خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 10% يكشف حدود التحسين الموزع

شارك المقال
شبكات التدفئة الذكية تختبر فيزياء التأخر الحراري: خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 10% يكشف حدود التحسين الموزع
الصورة: Wolfgang Weiser / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت سارة (Sarah)

تكشف إدارة شبكات التدفئة الحضرية الضخمة عن واحدة من أكثر معضلات البنية التحتية تعقيداً أمام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، حيث لا يرتبط هدر الطاقة بقلة خبرة المشغلين، بل بالطبيعة الموزعة والبطيئة لشبكات السوائل الحرارية. في جلسة متخصصة ضمن قمة «الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام 2026»، استعرض جوكسيهونغ جولايتي، كبير علماء البيانات والمدير المؤسس لمختبر «أوبتيما» في شركة «تشاينا يونيكوم»، تجربة تشغيلية اعتمدت على التنبؤ والتحسين للحد من فاقد الطاقة في شبكات التدفئة المركزية في الصين. تخدم هذه المنظومة نحو 400 مليون إنسان عبر مساحة تصل إلى 25 مليار متر مربع، وتنخفض فيها درجات الحرارة إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر، ما يجعل حجم الطاقة المستهلكة في شتاء واحد كافياً لتزويد مدن كبرى مثل نيويورك بالكهرباء لأكثر من عقد كامل، ويجعل أي نسبة توفير طفيفة ذات عائد اقتصادي وتشغيلي بالغ الأهمية.

ارتكزت التجربة الميدانية على مشغل خاص لشبكة تدفئة في مدينة تشانغشا الصينية، يستمد طاقته من ستة مصادر تشمل ثلاث محطات توليد تسترجع الحرارة المهدورة وثلاث غلايات داخلية، ويغذي أكثر من 140 محطة فرعية ونحو 60 ألف نسمة. اعتادت المنظومة التقليدية الاعتماد على تعديلات يدوية يجريها المشغلون ثلاث أو أربع مرات يومياً فقط، وهو ما يولد نمط تحكم متعرجاً يتأرجح بين ضخ فائض يهدر الوقود أو إمداد منخفض يخل براحة المستخدمين داخل المباني. الرهان الحقيقي لم يكن في أتمتة الصمامات فحسب، بل في حساب فيزياء التأخر الحراري التي تجعل أي تعديل آني في المحطة يستغرق ما بين ست ساعات واثنتي عشرة ساعة ليظهر أثره الفعلي في حرارة الغرف.

طوّر فريق العمل نموذجاً تنبؤياً يدمج التوقعات الجوية، وسجلات الأحمال التاريخية، وخصائص الاحتفاظ بالحرارة التي تتباين بوضوح بين المباني الحديثة والمنشآت القديمة. دُرّب النموذج على بيانات 340 يوماً تغطي موسمي تدفئة، مع التحقق من دقته عبر 172 يوماً إضافياً، ليحقق هامش خطأ دون 8% عبر آفاق زمنية تمتد إلى 24 و48 و72 ساعة مقبلة. ولتفادي اتخاذ قرارات مبنية على قراءات متباينة الجودة والتردد واردة من محطات فرعية تختلف في مسافاتها وسرعات تدفق المياه إليها، دمج النظام آليات التنبؤ بالتحكم التدريجي المنضبط، مع الإبقاء على المشغل البشري في قلب المنظومة، حيث يراجع التوصيات قبل التنفيذ الفعلي لضمان استقرار الشبكة وتوجيه طاقته إلى القرارات الأكثر قيمة.

تكامل هذا المسار مع نظام ثنائي لرصد الشذوذ والأعطال في الأنابيب الممتدة تحت الأرض، يعمل عبر مسح سريع كل 30 دقيقة لستة أنماط رئيسية من الأعطال الحرارية، ومسح تحليلي موسع كل 24 ساعة لاكتشاف المشكلات البطيئة التراكمية. وأظهرت نتائج التشغيل على مدى موسم تدفئة كامل امتد حتى مطلع عام 2026 انخفاضاً في استهلاك الكهرباء تجاوز 10%، وتراجعاً في إجمالي الطاقة الحرارية المطلوبة لتشغيل الشبكة بنسبة 7%، مع تسجيل دقة واستدعاء كاملين بنسبة 100% في رصد الأعطال المستهدفة. النجاح في تقليص الفاقد يقدم دليلاً عملياً على أن دمج النمذجة الهندسية مع التنبؤ اللحظي يتفوق حتماً على الجداول الزمنية اليدوية في إدارة البنى التحتية الحساسة.

غير أن التجربة اصطدمت بحدود هيكلية قائمة: قرارات التحكم ما تزال تُتخذ على مستوى كل محطة فرعية بصورة مستقلة، وليست على مستوى الشبكة ككل. وتوضح الحسابات أن طلب ثلاث محطات فرعية لحصة 40% من الطاقة المتاحة قد يبدو قراراً رشيداً ومبرراً لكل محطة على حدة، لكنه يتجاوز مجتمعاً السعة الإجمالية التي تستطيع الشبكة توفيرها. يدفع هذا العائق الفريق التقني حالياً نحو الانتقال إلى التحسين الشامل لكامل المنظومة، وهو ما تطلب استحواذ المشغل على شركات لتصنيع الحساسات لتعزيز كثافة القياس، بالتوازي مع تطوير روبوت محادثة تخصصي مدعوم بالنماذج اللغوية الكبرى لتمكين المشغلين من استجواب النظام ومراجعة خلفيات القرارات التشغيلية.

بالنسبة لمديري المرافق والبنية التحتية في الخليج ومصر، يحمل هذا التحول بعداً تطبيقياً مباشراً يتجاوز مسألة التدفئة الشتوية. فالمعادلة الفيزيائية الحاكمة لشبكات التبريد المركزي المنتشرة في مدن الخليج والمشروعات العمرانية الجديدة في مصر تتطابق هندسياً مع شبكات التدفئة: خطوط نقل سوائل ممتدة لمسافات شاسعة، وتأخر حراري ملحوظ يستغرق ساعات للتأثير في المباني، واستهلاك كهربائي يمثل العبء الأكبر على شبكات التوليد في ساعات الذروة الصيفية. الانتقال من تشغيل محطات التبريد وفق جداول زمنية ميكانيكية إلى نماذج تنبؤية تحسب فترات التباطؤ وخصائص العزل الإنشائي يمثل مدخلاً رئيساً لخفض تكلفة الاستهلاك بمعدلات مزدوجة. كما يفرض هذا التحول على الفرق الفنية إعادة بناء مهاراتها، للانتقال من مراقبة المؤشرات المجزأة إلى هندسة تدفق البيانات الحركية، وتفادي فخ التحسين المحلي الذي ينقل الاختناق من منطقة إلى أخرى داخل الشبكة الواحدة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد