وكلاء «فرونتير» في مكامن أبوظبي: «أدنوك» تختصر تخطيط الحقول النفطية من أشهر إلى ساعات
تنقل شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) أنظمة الذكاء الاصطناعي من واجهات الاستخدام التقليدية إلى عمق العمليات النفطية وباطن الأرض. أعلنت الشركة خلال فعاليات معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك) عن شراكة استراتيجية مع «أوبن إيه آي» لنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة عبر منظومة أعمالها، لتصبح أول شركة طاقة على مستوى العالم تعتمد منصة «فرونتير» التابعة للمطوّر الأمريكي. جاء الإعلان بعد لقاء جمع الرئيس التنفيذي للشركة الأمريكية سام ألتمان مع ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وبمشاركة محورية من مجموعة «جي 42» برئاسة الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، دون الكشف عن التفاصيل المالية للاتفاقية.
يقوم الرهان التشغيلي في هذه الشراكة على شبكة وكلاء ذكاء اصطناعي مترابطين يحللون باستمرار حركة العرض والطلب وأسعار الخام وهوامش الربحية، مع التنبؤ بمتغيرات السوق وتقييم التبعات التجارية والتشغيلية لكل مسار قبل اعتماده. وبحسب بيانات أدنوك، تتيح نماذج «أوبن إيه آي» تسعير كل برميل وهو لا يزال داخل المكمن قبل استخراجه، ويبدأ التطبيق العملي من التخطيط المعقد لتطوير الحقول، حيث تجمع المنظومة عقودا من البيانات الجيولوجية والتشغيلية والمالية لآلاف الآبار ومئات المنشآت والمكامن المتعددة، لتحسين الخطط وإعدادها خلال ساعات بعدما كانت تتطلب أشهرا طويلة.
تكامل البيانات هنا يعيد توجيه العلاقة بين قطاع الطاقة وتقنيات الحوسبة. عبّر الرئيس التنفيذي لشركة أدنوك الدكتور سلطان الجابر عن هذا التوجه بالإشارة إلى أنه منذ ولادة «تشات جي بي تي»، ظل العالم يتساءل عما يمكن لقطاع الطاقة تقديمه لدعم الذكاء الاصطناعي، وتبحث الشراكة اليوم عما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه لصناعة الطاقة. يأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه سلاسل الإمداد العالمية تحديات ملموسة، إذ كشفت الشركة أن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز استنزفت قرابة مليار برميل من المخزونات العالمية، ورفعت تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية من أقل من 5 بالمئة إلى ما يزيد على 30 بالمئة من تكلفة البرميل، مما جعل الكفاءة التشغيلية المعتمدة على الأتمتة ضرورة ملحة لاستدامة الإنتاج.
يمتد الاتفاق ضمن مظلة أوسع من المبادرات المشتركة بين جهات أبوظبي و«أوبن إيه آي». تشمل هذه المسارات إطلاق أول مبادرة حكومية مبنية على الذكاء الاصطناعي ومقروءة آليا، لتفسير القوانين واللوائح التنظيمية وتيسير الإجراءات الروتينية مثل إصدار الشهادات والتصاريح، مع بدء مرحلة تجريبية بالتعاون مع هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية في ملف واردات الأغذية. ويتكامل ذلك مع اتفاق بين صندوق «مبادلة» و«أوبن إيه آي» وشركة «إنسيبشن» التابعة لـ«جي 42» لتوظيف النماذج في التحليل الاستثماري وتقييم المخاطر، بالإضافة إلى اتفاقية تمتد لخمس سنوات لنشر حلول الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الحكومية ومؤسسات التعليم والأعمال.
ما الذي يعنيه هذا التحول لمن يدير مشروعات التقنية أو الهندسة في الخليج ومصر والمشرق العربي؟ التأثير المباشر يمس طبيعة المهارات ومعايير تدفق البيانات. الشركات العاملة في الخدمات النفطية وسلاسل الإمداد الصناعي أصبحت مطالبة برقمنة سجلاتها وأرشيفها التاريخي لتصبح قابلة للمعالجة الفورية بواسطة الوكلاء، لأن المنافسة لم تعد محصورة في برمجيات نمطية متباعدة، بل ترتبط بالقدرة على اتخاذ القرار التشغيلي في زمن يقاس بالساعات. كما أن تحول الأجهزة التنظيمية والحكومية إلى بيئات «مقروءة آليا» يفرض على الشركات الناشئة ورواد الأعمال إعادة بناء واجهات الامتثال لتتخاطب تقنيا مع المنظومات السيادية، ما يرفع الطلب الإقليمي على مهندسي تكامل الأنظمة وخبراء حوسبة البيانات الضخمة.
تتسارع هذه الخطوات في إطار تنافس إقليمي واضح يجمع بين الوفرة المالية وقدرات الحوسبة الفائقة، خاصة بعد استكمال «أرامكو السعودية» صفقة الاستحواذ على 49 بالمئة في شركة «هيوماين» بالتزام نقدي يبلغ 9.9 مليار ريال سعودي (نحو 2.6 مليار دولار) خلال عام 2026، مع مستهدفات للوصول بقدرات مراكز البيانات إلى ثلاثة غيغاوات بحلول عام 2030. نرى في هذا التطور ترسيخا لموقع منتجي الطاقة في المنطقة بصفتهم مشغلين ومستثمرين في التقنيات الأساسية التي تعيد صياغة الاقتصاد العالمي، وتجاوزا للدور التقليدي المقتصر على تصدير الموارد الطبيعية.