خسارة مئتي ألف وظيفة إبداعية بأميركا: هوليوود تواجه مصير الصحافة أمام الذكاء الاصطناعي
لم تشهد صناعة الإعلام والسينما في الولايات المتحدة انكماشًا بهذه الحدة منذ أزمتي 2001 و2008، لكن الفارق اليوم هو غياب أي ركود اقتصادي عام يبرر النزيف. فقدت الصناعات الإبداعية أكثر من مئتي ألف وظيفة خلال السنوات الأربع الماضية، من بينها نحو خمسين ألف وظيفة تبخرت في العام الأخير وحده. هذا التراجع المتواصل يتزامن بصورة مباشرة مع صعود أنظمة قادرة على كتابة الروايات وتوليد الصور الواقعية والموسيقى الشبيهة بالأعمال البشرية بتكلفة تكاد تقترب من الصفر.
المحتوى الرقمي يفقد حمايته الاقتصادية ويتحول إلى منتج وفير لا يملك قدرة فرض السعر.
تتردد الشركات الفنية في إعلان اعتمادها الصريح على أدوات التوليد، سعيًا لتفادي الغضب الجماهيري وحفاظًا على الأساس القانوني لحقوق الملكية الفكرية. ورغم تداخل عوامل أخرى مثل الاندماجات في هوليوود ونقل الإنتاج إلى الخارج، فإن الدليل الأكثر وضوحًا على بصمة الذكاء الاصطناعي يتمثل في حقيقة بسيطة: كل قطاعات الفنون الرقمية تنزف وظائفها، بينما تواصل فعاليات الترفيه الحي والحضوري نموها بمعدلات طبيعية ومستقرة.
قطاع السينما والتسجيلات الصوتية نال النصيب الأكبر من الخسارة، حيث تبخرت أكثر من مئة ألف وظيفة تمثل نحو ثلث قوته العاملة خلال أربع سنوات. هبط إجمالي التوظيف في استوديوهات الإنتاج هذا الصيف إلى أدنى مستوياته منذ ركود 2008، مقتربًا من قاع لم تشهده الصناعة منذ ثلاثة عقود. تزامن ذلك مع تراجع مبيعات تذاكر السينما بنسبة 25 بالمئة مقارنة بذروتها في عام 2019، وهبوط إيرادات البث السلكي بنسبة 18 بالمئة، في حين عجزت عوائد منصات البث الرقمي عن تعويض الفارق، محاصرة بطوفان من المقاطع المجانية والمحتوى المولّد آليًا.
نموذج الحفلات الحية أنقذ الموسيقى من قرصنة الإنترنت، لكن استوديوهات الفيديو لا تملك خشبة مسرح تلوذ بها.
عندما واجهت صناعة الموسيقى منصات مشاركة الملفات قبل ربع قرن، خسرت المعركة التقنية رغم فوزها بالدعاوى القضائية ضد «نابستر»، وانتهى الأمر بتراجع قيمة التسجيلات حتى اشترتها منصات البث بمقابل ضئيل. لكن الموسيقيين حوّلوا الألبومات إلى إعلانات شبه مجانية تدفع الجمهور نحو الحفلات الحية والجولات المسرحية التي تدر الدخل الأكبر. في المقابل، تحرك استهلاك الفيديو في الاتجاه المعاكس: خرج من دور العرض ليستقر على الشاشات المنزلية، تاركًا صُنّاع السينما في مأزق يشبه الانهيار التاريخي للصحافة الورقية التي فقدت 85 بالمئة من موظفيها بعد تجزئة محتواها وتسرب إعلاناتها.
المثير في هذا التحول أن كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي لم تعد ترى في الفنون الرقمية جائزتها الكبرى. شركة «أنثروبيك» لم تكترث أساسًا بتوليد الصور أو الموسيقى والفيديو لتدني مردودها الاقتصادي مقارنة بحل المسائل الرياضية والعلمية المعقدة، و«أوبن إيه آي» تخلت عن منصة الفيديو التوليدي «سورا» لتوجيه قدراتها الحوسبية المحدودة نحو مهام أثقل قيمة. ترك ذلك الساحة لنماذج أصغر حجمًا طوّرتها أطراف ثانوية، لكنها ظلت كافية لزعزعة اقتصاد الاستوديوهات التقليدية.
هذا التحول يحمل دلالة تشغيلية مباشرة لمن يدير الإنتاج الإعلامي أو الوكالات الإعلانية في الخليج ومصر والشام. اعتماد شركات الإنتاج في دبي والرياض والقاهرة على تسعير ساعات العمل الإبداعية الروتينية، مثل رسم لوحات القصة وتصميم المشاهد الأولية وتوليد النصوص الإعلانية، بات رهانًا خاسرًا مع دخول أدوات رخيصة تتيح لأي فريق مستقل تنفيذ المهمة ذاتها بدقائق معدودة. القيمة الاقتصادية في أسواقنا تنتقل عمليًا من وراء الشاشات إلى المساحات الفيزيائية المباشرة: المهرجانات الحية، وتجارب الترفيه الواقعية، والإنتاج الميداني المرتبط بخصوصية ثقافية محلية يتعذر على النماذج العالمية المعلبة محاكاتها.
الرهان القادم في غرف الإنتاج لن يكون على سرعة إنتاج المادة البصرية، بل على القدرة على هندسة تجربة ملموسة لا يمكن تنزيلها بملف رقمي.