تخطَّ إلى المحتوى

مراكز استدلال تُصنع كسيارات: «رن وير» تراهن على تشغيل الحوسبة خلال يومين

شارك المقال
مراكز استدلال تُصنع كسيارات: «رن وير» تراهن على تشغيل الحوسبة خلال يومين
الصورة: Wilhelm Gunkel / Unsplash

تحاول شركة البنية التحتية «رن وير» نقل بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من ورش التشييد التقليدية إلى خطوط تجميع صناعية مستوحاة من قطاع السيارات، مراهنة على تقليص زمن تجهيز الحوسبة ميدانيًا إلى ثمانٍ وأربعين ساعة فقط. الشركة، التي كشفت قبل أشهر عن وحدتها الجاهزة للاستدلال «سونيك بود»، بدأت توسيع منشآتها في رومانيا لتصل طاقتها الإنتاجية بحلول عام 2028 إلى ثلاثين ميغاوات يوميًا، أي ما يقارب غيغاوات شهريًا، وهو معدل يعادل سنويًا نحو عشرة غيغاوات، وهي السعة السنوية نفسها التي كان متوقعًا أن تضيفها الولايات المتحدة بأكملها هذا العام في مراكز البيانات.

تقوم الفكرة التشغيلية على تصنيع وحدات مراكز البيانات مسبقة التجهيز داخل بيئة مصنعية محكمة ثم شحنها جاهزة للتركيب، إما في مواقع يوفرها العملاء أو في أراضٍ تختارها الشركة. ورغم أن شركات مثل «كروزو» و«شنايدر إلكتريك» تقدم حاويات وخوادم مسبقة الصنع، تؤكد «رن وير» تميزها بامتلاك مصانع تجميع فعلية، إذ تشغّل منشأة منذ سنوات وتضع اللمسات الأخيرة على مصنع ثانٍ يدخل الخدمة مطلع العام المقبل. هذا التحول الصناعي قلّص زمن بناء الوحدة الواحدة من ثلاثة أسابيع إلى يوم واحد فقط مع تسريع وتيرة الإنتاج، مع حصر فترة اليومين الموعودة في عمليات التثبيت والإعداد الشبكي داخل الموقع.

الرهان الحقيقي لا يقف عند سرعة التجميع، بل يمتد إلى تفكيك أزمة الموارد التي تخنق البنية التحتية التقليدية. تعتمد الوحدات نظام تبريد سائل مغلق بمشعّات تبريد هوائي لطرد الحرارة، ما يعفيها تمامًا من الحاجة إلى وصلات مياه خارجية، وتعمل بهدوء كامل حتى حرارة ثلاثين درجة مئوية. ويتيح النموذج التجاري للعملاء استئجار قدرات الحوسبة مباشرة أو تزويد وحداتهم بمعالجاتهم الخاصة وسداد رسوم تشغيل شهرية، فيما تُحسب تكاليف الطاقة والإنترنت بصورة مستقلة. غير أن هذا المسار لا يخلو من اختناقات؛ فالشركة، رغم تصميمها لمنظومات التبريد والهياكل ذاتيًا، ما زالت تعتمد على ألمانيا لتوريد المضخات والمراوح، وعلى «إنفيديا» لتجهيزات الربط الشبكي.

تستحضر هذه التجربة تلقائيًا دروس التصنيع القاسية في قطاع التقنية، وفي مقدمتها تعثر شركة السيارات الكهربائية «أرايفل» التي عجزت مصانعها المصغرة عن مجاراة خطوط الإنتاج التقليدية رغم تجاوز قيمتها سابقًا ثلاثة عشر مليار دولار. وتحاول «رن وير»، التي جمعت أكثر من ستين مليون دولار حتى الآن وتعتمد على خمسين مليون دولار من جولتها الاستثمارية الأولى الأخيرة لبناء المصنع الجديد، تجنب هذا المصير عبر هيكل تكاليف منخفض للعمالة في رومانيا مقارنة بقيمة نشر حوسبة الذكاء الاصطناعي، واستقطاب مدير تصنيع متمرس من قطاع السيارات للعمل بجانب رئيس قطاع العتاد. وتفيد الشركة بأنها سجلت اهتمامًا تعاقديًا بقيمة مليار دولار لتوريد أكثر من عشرين ميغاوات منذ فتح باب الطلبات الخارجية.

رأينا أن هذا التطور يتجاوز حدود الخبر الصناعي ليلمس معضلة تشغيلية تواجهها المؤسسات في الخليج ومصر. تواجه خطط التوسع في البنية التحتية للحوسبة في المنطقة عائقين هيكليين: المدد الزمنية الطويلة التي تستغرقها المقاولات المدنية لإنشاء المراكز الكبرى، والضغط البيئي الهائل الذي تفرضه متطلبات التبريد المائي في بيئات مناخية شحيحة المياه. تحول مراكز الاستدلال إلى وحدات مسبقة الصنع لا تحتاج إلى مياه وتستقر في مساحات صغيرة ذات تغذية كهربائية قائمة يمنح المؤسسات والبنوك والجهات الحكومية في الرياض ودبي والقاهرة بديلًا مجديًا لنشر قدرات حوسبة متقدمة في أيام معدودة بدل انتظار أعوام الترخيص والتطوير العقاري المعقد.

يتغير حساب الجدوى لقرارك التقني حين تدير ميزانيات الحوسبة من الاستثمار الرأسمالي الضخم في الإنشاءات الخرسانية إلى الإنفاق التشغيلي المرن، بحيث تصبح مراكز البيانات أصولًا تتدفق تباعًا مع وصول شرائح المعالجة دون أن تسبقها بفترات طويلة من التجميد المالي. لكن اختبار هذا المسار سيبقى رهن قدرة سلاسل الإمداد على الإيفاء بالوعود؛ فالحاوية المصنعة قد تصل في موعدها، غير أن تشغيلها الفعلي يظل أسير مواعيد تسليم المعالجات المركزية وتجهيزات الشبكات الدولية التي لا تملك أي شركة ناشئة السيطرة عليها بمفردها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد