«مفجر فضيحة ثيرانوس يحذر: طفرة الذكاء الاصطناعي فرصة مثالية لتضليل المستثمرين بغطاء الأسرار»
حين كشف تايلر شولتز زيف أجهزة فحص الدم في شركة «ثيرانوس»، كان شاهدا من موقع وظيفته الأولى بعد التخرج على تقييم بلغ عشرة مليارات دولار لتقنية لم تكن تعمل قط. الشركة التي سوقت أجهزتها لفروع متاجر «والغرينز» وقدمت نتائج مضللة لمرضى حقيقيين، كانت تعتمد سرا على معدات أطراف ثالثة لمعظم اختباراتها بدلا من آلاتها الخاصة. اليوم، وبعد عقد من تلك الواقعة، يرى شولتز أن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية تمثل فرصة مثالية لتكرار الخداع على نطاق غير مسبوق، في بيئة تتدفق فيها رؤوس الأموال بتقييمات تريليونية نحو شركات لم تحقق أرباحا تشغيلية حتى الآن. التحذير الذي أطلقه شولتز في حديثه لصحيفة «سان فرانسيسكو ستاندرد»، ونقلته منصة «تيك كرانش»، يعيد فتح ملف التدقيق الفني في وادي السيليكون، في إشارة نراها بالغة الدلالة لكل من يتابع مسارات التمويل، محذرة من نسيان الدرس الأقسى في تاريخ الاستثمار الجريء.
المشكلة المحورية في مشهد الذكاء الاصطناعي الراهن، كما يحددها شولتز، تكمن في الاستعصاء الشديد لعمليات الفحص النافي للجهالة. التفريق بين ابتكار تقني أصيل وفريد وبين مجرد غلاف سطحي لنموذج مثل «شات جي بي تي» بات تحديا معقدا يواجه كبار المستثمرين. هذا العجز عن التمييز يمنح أصحاب الادعاءات الفضفاضة غطاء مثاليا، تماما كما فعلت إليزابيث هولمز حين امتنعت عن مشاركة الأدلة العلمية بدعوى حماية الأسرار التجارية، وهو التكتيك الذي أبعد صناديق رأس المال الجريء الكبرى، لكنه استقطب عائلات ثرية مثل عائلتي ديفوس ووالتون، إضافة إلى شخصيات بارزة مثل جورج شولتز وزير الخارجية والخزانة الأميركي الأسبق وجد تايلر نفسه.
يوضح شولتز أن النموذج القائم على عقد لقاء قهوة لنصف ساعة ثم تحويل مئة ألف دولار قد ولّى، بعدما استنسخته هولمز ورفعته إلى مستوى مئة مليون دولار عبر ما يصفه بأكبر جولة تمويل ملائكي في التاريخ. لكن الخطر لا يقف عند الرقم المجرد، بل في السلطة الهائلة التي تُمنح للمؤسس بمجرد وضع هذه السيولة بين يديه دون اشتراط براهين هندسية ملموسة. وتتضاعف المفارقة بينما تقضي هولمز عقوبة السجن الاتحادي التي تتجاوز أحد عشر عاما، إذ كشف الفيلم الوثائقي «تستطيع رؤية كل شيء» للمخرجين ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم، عن مساعيها مع شريكها بيلي إيفانز لإطلاق شركة تشخيص جديدة باسم «هيمانثوس» وجمع نحو عشرين مليون دولار لمشروع يصفه مقربون بأنه نسخة ثانية من «ثيرانوس».
هذا التحذير الاستخباراتي يضع صانع القرار في الخليج ومصر والشام أمام استحقاق مهني مباشر. ففي ظل تدفق السيولة الخليجية والمكاتب العائلية والصناديق الاستثمارية نحو صفقات التحول الرقمي وحلول النماذج التوليدية، تتزايد مخاطر الانخداع بالواجهات البراقة والاستعراضات المعدّة مسبقا. شراء منصة ذكاء اصطناعي أو الاستثمار في شركة ناشئة بناء على مظاهر الثقة دون إجراء تدقيق برمجي مستقل لمعمارية النموذج وأكواد الاستدلال، يهدد بهدر ميزانيات ضخمة على برمجيات وسيطة لا تملك أي ملكية فكرية خاصة. القرار العملي المطلوب من قيادات التقنية والمصارف في المنطقة يفرض اشتراط إعادة إنتاج النتائج تقنيا، ورفض التذرع بالأسرار التجارية لحجب آليات عمل النماذج عن فرق الفحص الهندسي.
المصداقية الهندسية لا تُبنى على هيبة الأسماء الراعية ولا على ضخامة أرقام التقييم، بل على إثبات كفاءة المنظومة في الميدان الفعلي. إن حماية الاستثمارات في المنطقة تتطلب استبدال الحماسة المتسرعة بمعايير فحص استقصائية صارمة، تدرك أن التهاون في التدقيق التقني لا يطور قطاعا، بل يعيد إنتاج أوهام مكلفة تحت لافتات برمجية جديدة.