مؤتمر الأمم المتحدة في أبوظبي يضع الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العدالة الجنائية والرقابة البشرية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تستضيف العاصمة الإماراتية أبوظبي أعمال الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، في الفترة الممتدة من 26 سبتمبر وحتى الأول من أكتوبر 2026، في محطة دولية تسعى إلى إعادة ضبط آليات إنفاذ القانون والعدالة أمام التحولات التقنية المتسارعة. المؤتمر، الذي تقود وزارة العدل الإماراتية ترتيباته وجدول أعماله القانوني بالتنسيق مع شركاء دوليين، يأتي في وقت لم تعد فيه الجريمة مقيدة بحدود جغرافية، بعدما وظفت الشبكات المنظمة منصات رقمية تبدو مشروعة لتمرير أنشطة عابرة للحدود وبكفاءة واسعة النطاق.
التحول الأبرز الذي يناقشه المؤتمر يرتكز على الانتقال من رد الفعل اللاحق لوقوع الجريمة إلى الاستباق والوقاية القائمة على البيانات. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة في تحديد أنماط المخاطر واكتشاف التهديدات الناشئة. غير أن هذا التقدم يواجه تعقيدًا متزايدًا في إدارة الأدلة الجنائية الرقمية، إذ باتت الهواتف الذكية وأنظمة المراقبة والبيانات المكانية والمعاملات السحابية مصادر أساسية للتحقيق، في مقابل اعتماد متزايد من الجناة على تقنيات التشفير، والأصول الافتراضية، والتزييف العميق لحجب معالم الأنشطة غير المشروعة.
التقنية يجب أن تظل أداة لدعم القرار لا بديلًا عن التقدير البشري. هذا المبدأ يشكل ركيزة المداولات الجارية، بحسب ما يطرحه رئيس اللجنة الإعلامية للمؤتمر سعود عبد العزيز بو هندي، إذ إن معالجة البيانات الضخمة ومساعدة المحققين والمدعين العامين والقضاة في استخلاص الأنماط لا تعني التنازل عن المساءلة والرقابة البشرية لضمان النزاهة والحفاظ على الثقة العامة. ويقترن ذلك بالتفاوض حول وثيقة «إعلان أبوظبي»، التي تبحثها الدول الأعضاء لوضع إطار للأولويات الدولية المشتركة، يشمل استراتيجيات الوقاية المستندة إلى الأدلة، والتعاون القضائي الدولي، والموازنة الصارمة بين المتطلبات الأمنية وحماية الخصوصية والحقوق الفردية.
وعلى صعيد بيئة الأعمال في الخليج ومصر والمنطقة، يعيد هذا المسار صياغة متطلبات الامتثال التقني والقانوني للمؤسسات المالية وشركات البنية الرقمية وفرق التحقيق الجنائي الرقمي. المؤسسات لم تعد معنية فقط بتطبيق أدوات رصد آلية، بل باتت مطالبة بإثبات سلامة السلسلة التوثيقية للأدلة الرقمية وخلوها من التلاعب أو التزييف التوليدي، مع ضرورة إبقاء العنصر البشري في حلقة اتخاذ القرار لتفادي المساءلة القانونية. كما أن اتساع نطاق الجرائم العابرة للحدود يفرض على مديري أمن المعلومات والفرق القانونية تعزيز آليات التعاون والمساعدة القانونية المتبادلة وفق أطر حوكمة تمنع تضارب الاختصاصات وتضمن حماية البيانات الحساسة.
الرهان المطروح في أروقة المؤتمر يؤكد أن كفاءة النظم الجنائية المعاصرة لن تُقاس بمجرد القدرة على خفض معدلات الجريمة، بل بمدى نجاحها في ترسيخ سيادة القانون وصون الثقة المجتمعية، في معادلة تضع توظيف الذكاء الاصطناعي تحت مظلة الشفافية والمسؤولية المؤسسية.