تراجع نفوذ مهندسي التقنية أمام أنظمة البرمجة المستقلة: كتاب جديد يوثق انحسار الحراك العمالي في وادي السيليكون
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
توثق دراسة جديدة في كتاب صدر عن دار «هايماركت بوكس» للباحث وطالب الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جي إس تان، وزميلته السابقة في القطاع التقني كلاريسا ريدواين، مسار صعود وانحسار حراك موظفي شركات التقنية الكبرى خلال العقد الماضي. الكتاب، الصادر بعنوان «ضد الأوليغارشية التقنية: مقاومة العمال في الصناعة الأكثر نفوذا في العالم»، يرصد كيف تحولت شريحة المهندسين والمطورين من قوة تملك نفوذا واسعا وقدرة على تعديل سياسات الشركات، إلى موقع الدفاع في مواجهة تحولات سوق العمل وصعود أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة.
تنطلق المادة التوثيقية من محطة عام 2017، حين وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بتعليق دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة لمدة تسعين يوما وتعليق دخول اللاجئين السوريين لأجل غير مسمى. في ذلك الحين، شارك موظفو قطاع التقنية في احتجاجات واسعة، وكتب سام ألتمان، الشريك المؤسس لشركة «أوبن إيه آي»، مقالا أكد فيه أن شركات التقنية تبذل جهودا استثنائية لتوظيف الكفاءات والاحتفاظ بها، ما يمنح الموظفين نفوذا كبيرا لحث الإدارات على اتخاذ خطوات عملية ومواقف معلنة. وعلى مدار سنوات، نظم العاملون وقفات احتجاجية واعتراضات على عقود تقنية مع جهات إنفاذ الهجرة والمؤسسات العسكرية، وتوج ذلك عام 2018 بنجاح موظفي «غوغل» في الضغط على شركتهم لعدم تجديد عقد مشروع «مايفن» المخصص لتحليل لقطات الطائرات المسيرة بالذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الأمريكية، بعد توقيع نحو أربعة آلاف موظف رسالة مفتوحة ترفض الدخول في أعمال الحرب.
لكن المشهد تبدل جذريا بعد ثماني سنوات، إذ وقع في وقت سابق من هذا العام أكثر من ستمئة موظف في «غوغل» رسالة ترفض العمل السري في الذكاء الاصطناعي لصالح وزارة الدفاع، محذرين من تطبيقات تشمل الأسلحة الذاتية الفتاكة والمراقبة الداخلية، غير أن رد إدارة الشركة جاء حاسما بالالتزام بالعمل مع البنتاغون دون اعتبار لمطالبهم. ويعزو تان هذا التحول الحاد إلى عاملين متتاليين: الأول رفع أسعار الفائدة عام 2022 وما تبعه من خسارة مئات المليارات في القيمة السوقية لشركات التقنية، ما دفعها لخفض التكاليف وفي مقدمتها الرواتب العالية واستعادة السيطرة الإدارية. أما العامل الثاني، فيتمثل في التأثير الحاسم لأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة الخاصة بالبرمجة، والتي أدت إلى تقليص المهارات المطلوبة وجعلت المطورين أكثر قلقا على استقرارهم الوظيفي، حيث وجد الموظفون أنفسهم يواجهون هذه الصدمات بصورة فردية دون نقابات أو قدرة على التفاوض الجماعي.
تفكيك أسطورة النفوذ الفردي للمطور يكشف أن الأتمتة المتقدمة لا تغير أدوات البرمجة وحدها، بل تعيد صياغة موازين القوة والتفاوض داخل المؤسسات. يبرز هذا المعطى بوضوح في تجربة كلاريسا ريدواين، الشريكة في تأليف الكتاب، والتي كانت من قادة محاولات التنظيم النقابي في منصة «كيكستارتر» قبل إقالتها عام 2019، وسط خلاف حول أسباب الفصل بين نشاطها النقابي وما نفته الشركة. وتوضح أطروحة المؤلفين أن قدرة المهندسين على فرض ضوابط على التقنيات التي يطورونها تراجعت بالتزامن مع تولي الأدوات المؤتمتة حصة أكبر من مهام كتابة الكود.
بالنسبة إلى فرق الهندسة التقنية في منطقة الخليج ومصر والمشرق العربي، يحمل هذا المسار تحولات عملية مباشرة في بيئة التوظيف وإدارة المشاريع. فالمطور لم يعد يملك ورقة تفاوضية قوية تعتمد فقط على مهارة كتابة الأكواد التقليدية، مع اتجاه الشركات ومراكز البرمجة الإقليمية إلى استخدام أنظمة البرمجة الوكيلة لتقليص الاعتماد على الفرق البرمجية الضخمة وخفض كلفة التطوير. يفرض هذا المعطى على الكفاءات الهندسية في المنطقة إعادة توجيه مساراتهم المهنية نحو تدقيق الأنظمة المستقلة وهندسة مواءمتها وتأمينها، كما يمنح إدارات التقنية في المصارف والشركات الإقليمية نفوذا مركزيا أكبر في قرارات التشغيل والإنتاج مع تراجع قدرة الفرق الفنية على فرض شروطها الفردية.