تخطَّ إلى المحتوى

المكاتب العائلية تهجر الصناديق التقليدية: شهية المخاطرة تتجه نحو الحصص الثانوية لكبار مطوري الذكاء الاصطناعي

شارك المقال
المكاتب العائلية تهجر الصناديق التقليدية: شهية المخاطرة تتجه نحو الحصص الثانوية لكبار مطوري الذكاء الاصطناعي
الصورة: Adam Śmigielski / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تشهد المكاتب العائلية العالمية تحولاً متسارعاً في بوصلتها الاستثمارية، مدفوعة برغبة جارفة في اقتناص عوائد الذكاء الاصطناعي عبر مسارات تلتف على قنوات رأس المال الجريء التقليدية. يصف مستشار الثروات الخاصة جوان فال، من منصة «أطلس كابيتال» في سان فرانسيسكو، هذه المعادلة بالبسيطة، إذ يفضل مديرو الثروات صفقة ذكاء اصطناعي قادرة على مضاعفة رأس المال ثلاث مرات خلال ثلاثة أشهر، على التزامات طويلة الأجل في قطاعات مثل الطاقة النظيفة تتطلب ثلاثة أعوام لتحقيق العائد نفسه. هذا الاندفاع لا يقتصر على وفرة السيولة، بل يرتبط بتغير بنيوي في السلوك الاستثماري، حيث يتخلى جيل جديد من مسؤولي المكاتب العائلية عن الصناديق الاستثمارية المغلقة التي تحبس رؤوس الأموال لعقد كامل دون إتاحة معرفة مسبقة بالشركات المدعومة.

تتجه هذه المكاتب بكثافة نحو الشراء المباشر للأسهم من مستثمرين حاليين في السوق الثانوية، أو إبرام صفقات مباشرة تضمن لها حصصاً محددة في الشركات المتصدرة للسباق. يمتلك هذا القطاع نفوذاً مالياً هائلاً، إذ أظهرت بيانات شركة «ديلويت» لعام 2024 أن المكاتب العائلية كانت تدير 5.5 تريليون دولار، مع توقعات بوصول هذا الرقم إلى 9.5 تريليون دولار على الأقل بحلول عام 2030. كما كشف تقرير المكاتب العائلية العالمية الصادر عن بنك «يو بي إس» لعام 2026، والذي استطلع آراء 307 مكاتب عائلية حول العالم بمتوسط ثروة يبلغ 2.7 مليار دولار، أن الاستثمارات البديلة، بما فيها الملكية الخاصة ورأس المال الجريء والائتمان الخاص، باتت تمثل 42 في المئة من متوسط المحفظة الاستثمارية الواحدة.

يعيد هذا المشهد استحضار تقلبات الدورات التمويلية السابقة، فقد ارتفعت الصفقات المباشرة لتشكل 13 في المئة من محافظ المكاتب العائلية عام 2021 مقارنة بنحو 9 في المئة عام 2019، وبلغ إجمالي الصفقات ذروته في ذلك العام مسجلاً 17460 صفقة بقيمة 1.05 تريليون دولار عالمياً وفق دراسة «بي دبليو سي». غير أن ذلك المسار ارتد سريعاً مع رفع أسعار الفائدة وتراجع العوائد، لتهبط صفقات الاستثمار المباشر والاستحواذ بنسبة 53 في المئة بحلول أواخر عام 2023، وصولاً إلى أدنى مستوى لها في عقد كامل خلال النصف الأول من عام 2025. واليوم تعود هذه المكاتب بأسلوب مغاير، يقوم على كتابة شيكات مالية أضخم حجماً موجهة لعدد محدود جداً من الصفقات النوعية.

باتت السوق الثانوية الملاذ الأقل مخاطرة في رأس المال الجريء بنظر المستثمرين، بحسب توصيف فال، نظراً لأنها تتيح الاستحواذ على حصص في كيانات تملك بالفعل نمواً في قاعدة المستخدمين وإثباتاً صريحاً للإيرادات. وتوضح أنجلينا هو، رئيسة علاقات المستثمرين في «بريدج فاندينغ غلوبال»، أن هذا الأسلوب يسمح للمكاتب العائلية باقتناص الانكشاف على شركة مستهدفة بعينها دون الاضطرار لتحمل مخاطر محفظة تضم عشرين أو ثلاثين شركة ناشئة. يترجم هذا الإقبال إلى استعداد لدفع أسعار مماثلة لجولات الاكتتاب الأولى مقابل مخاطر مرحلة ثانوية، حتى وإن ضاق هامش العوائد القياسية، فقد شهدت السوق عروضاً استثمارية تراوحت بين 50 و100 مليون دولار لشراء حصص في شركة «أنثروبيك»، والتي تتقاسم مع «أوبن إيه آي» صدارة الأصول الأكثر استقطاباً للمنافسة التمويلية، وفق وصف المحللة إميلي تشنغ من «بيتش بوك».

تؤكد أرقام مصرف «جي بي مورغان» للخدمات المصرفية الخاصة أن 65 في المئة من المكاتب العائلية العالمية تخطط لمنح الأولوية لاستثمارات الذكاء الاصطناعي رغم مخاوف تضخم التقييمات. ويوضح ماكسيميليان كونكل، كبير مسؤولي الاستثمار في إدارة الثروات العالمية ببنك «يو بي إس»، أن مديري الأصول يعملون وسط بيئة مثقلة بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات الديون ومخاطر الركود، وينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة نمو حيوية طويلة الأجل، محاولين الموازنة بين حماية الأصول وتحقيق العائد عبر تنويع المناطق والعملات. في المقابل، يحذر بروس لي، مؤسس «كيبك لإدارة الثروات»، من أن انفجار فقاعة التقييمات لن تنحصر آثاره في شركات التقنية بل سيمتد إلى أسواق الأسهم بأكملها، لافتاً إلى أن شهية العوائد السريعة تعطل رغبة المستثمرين في التحوط المالي المنضبط.

يفرض هذا التحول العالمي تداعيات مباشرة على بيئة الاستثمار التقني في المنطقة العربية. في أسواق الخليج، تواجه المكاتب العائلية ومديرو الثروات في الرياض وأبوظبي ودبي منافسة دولية محمومة للظفر بحصص ثانوية في الكيانات الرائدة عالمياً في تطوير النماذج التأسيسية، وهو ما يرفع تكلفة الدخول ويفرض ضغوطاً متزايدة على عوائد المحافظ في حال حدوث أي تصحيح سعري. وفي المقابل، يتحتم على مؤسسي الشركات الناشئة في مصر وبلاد الشام الاستعداد لمرحلة شح في السيولة الموجهة نحو المراحل المبكرة، إذ يؤدي استقطاب الصفقات المباشرة لسيولة المكاتب العائلية إلى تجفيف رؤوس الأموال المتاحة لصناديق رأس المال الجريء الإقليمية. لن تظفر بتمويل هذه المكاتب اليوم بالاعتماد على الفرضيات النظرية، بل عبر إثبات مسار واضح لتحقيق الدخل التجاري ونموذج تشغيلي قادر على الصمود في وجه التكاليف الباهظة للحوسبة والاستدلال.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد