أبطال الخليج وشركاؤهم الغربيون.. البقاء في مسار البنية التحتية رغم الهجمات
أكثر من سبعة أشهر مضت على ضرب الطائرات الإيرانية المسيرة لمراكز بيانات أمازون في الإمارات، وتضرر موقع آخر في البحرين بضربة قريبة، وما زالت الهجمات الحوثية على السعودية تتواصل، ومع ذلك، لم تتوقف أعمال البناء في أكثر من مائة مليار دولار من مشروعات الذكاء الاصطناعي الكبرى عبر الخليج. هذا هو الخبر الجيد للسعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى، وهي تسعى بقوة لإعادة توجيه اقتصاداتها للاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على طاقة حوسبة الذكاء الاصطناعي.
لكن ثمة خطر كامِن: قد يعيد كبار مزودي الحوسبة الغربيون (هايبerskcalers) النظر في جدوى الخليج طويلة المدى كمركز حوسبة رئيسي، خاصة إذا نفذت إيران تهديداتها بتصعيد استهداف البنية التحتية للشركات الغربية التي تعتبرها متواطئة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. مسؤولون إيرانيون جددوا هذه التهديدات في الأسابيع الأخيرة؛ فقد حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على «إكس» من إنشاء «هيئة بيانات الخليج الفارسي» لمعاقبة الدول التي تتعاون مع شركات ذكاء اصطناعي يعتبرها النظام الإيراني شريكة في عمليات عسكرية ضد إيران. ونشر الحرس الثوري الإيراني في مارس الماضي قائمة بـ 18 شركة مستهدفة محتملة، بينها عمالقة التقنية الأمريكية وإماراتية «جي 42».
تقييم المخاطر على الأرض: «في بداية العام، كنت أصف الشرق الأوسط بأنه أحد أكثر أسواق مراكز البيانات قوة، بخطوتين أو ثلاث أمام أوروبا من حيث زخم النمو»، يقول طاهر غوك، مستشار البنية التحتية الرقمية المستقل المتخصص في الشرق الأوسط، لـ «إنتربرايز أيه إم». «أما الآن، فمع المخاطر الجغرافية المختلفة، نحتاج إلى الانتظار والترقب.»
مصر، في المقابل، ترى فرصة لاقتطاع حصة من سوق الخليج، مع «حسن علام للبنية التحتية الرقمية» و«إيه 15» في الطليعة بعد إعلانهما الصيف الماضي التزام 400 مليون دولار رأسمال أولي لاستهداف سوق مراكز البيانات.
الوقائع الميدانية: ضربات الطائرات المسيرة الإيرانية المباشرة استهدفت مركزين لـ «أمازون ويب سيرفيسز» في الإمارات، وتضرر ثالث في البحرين بضربة قريبة، في الأيام الأولى من الحرب، محدثة أضراراً هيكلية وانقطاعات كهربائية وحرائق، وفق لوحة خدمات المزود السحابي. موقع ثانٍ في البحرين تضرر في أبريل. أقرت أمازون في تحديث سبتمبر بعدم قدرتها على استعادة خدمات سحابية في البحرين وأجزاء من الإمارات، مشيرة إلى أنها «تعمل على استبدال البنية التحتية المتأثرة في الإمارات وستقدم تحديثاً حول استعادة الخدمات في الأشهر المقبلة». في البحرين، استنفدت أمازون كل خيارات استعادة بيانات العملاء الذين لم يهاجروا قبل خروج المنطقة عن الخدمة، مع وعد بتحديث إضافي مطلع 2027.
البناء مستمر: رغم ذلك، يقول غوك ومحللون آخرون إن أعمال البناء في مشروعات كبرى تتجاوز مائة مليار دولار عبر الخليج استمرت عموماً دون توقفات واسعة ، رغم موجات قتال متقطعة وارتفاع حاد في تكاليف التأمين. بعض التأخيرات نجمت عن مشكلات سلاسل التوريد، وكثير منها بسبب أحجام البناء الهائلة لمراكز البيانات عالمياً. وأخرى بسبب إغلاق مضيق هرمز، وفق ما نقلته «ذا ريجيستر» عن «بي سي إس للاستشارات».
توزيع المخاطر: تدرس الإمارات مراجعة خطط مجمع «كامبس الذكاء الاصطناعي الإماراتي-الأمريكي» العملاق بقدرة 5 غيغاواط الذي تقوده «جي 42»، لجعله أكثر انتشاراً جغرافياً، وفق «رويترز». الخطة غير النهائية ترسم شبكة مراكز بيانات عبر البلاد بدلاً من كامبس واحد بمساحة 26 كيلومتراً مربعاً في أبوظبي، مما يجعل تعطيل العمليات عبر ضربات مسيرة أو صاروخية أصعب. ولا يتوقع أن تؤثر الخطة على «ستارغيت الإمارات»، المرحلة الأولى بقدرة 1 غيغاواط واستثمار 30 مليار دولار، الجاري بناؤها بالفعل.
رسالة «العمل كالمعتاد»: يسعى قادة الذكاء الاصطناعي في الخليج لتأكيد أن الوضع «عمل كالمعتاد»: كامبس «ستارغيت» الإماراتي سيسلم أول 200 ميغاواط من طاقة الحوسبة في الربع الرابع 2026، وفق ما أخبرت «خزنة»، ذراع «جي 42» لمراكز البيانات، «بلومبيرغ». منطقة «مايكروسوفت السعودية الشرقية» ستفتح للعملاء في نوفمبر، وتخطط أمازون لتوفير ما يصل إلى 50 ميغاواط في أول منطقة ذكاء اصطناعي سعودية بحلول 2028، وفق «بلومبيرغ» أيضاً. مؤتمر «ليب» السعودي، الذي أغلق في 3 سبتمبر، شهد أكثر من 15 مليار دولار في إطلاقات واتفاقيات يومه الأول وحده، تضم شراكات وتوسعات جديدة مع أمازون ومايكروسوفت وغيرهما من عمالقة التقنية الغربيين. سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، تعهد في رسالة لمجلس الأعمال الإماراتي-الأمريكي بأن العمل ينجز رغم التحديات: «التزاماتنا تجاه الولايات المتحدة ثابتة، واستثماراتنا الكبرى تتقدم، وتوسيع الوصول للتقنيات المتقدمة يفتح فرصاً أبعد».
بعض الشركاء الغربيين أيضاً يعكسون الاستقرار: مايكروسوفت قادت المجموعة بإعلان سبتمبر عن خطط لاستثمار أكثر من 10 مليارات دولار في تقنية الخليج حتى 2030، تشمل 2 مليار دولار التزامات جديدة، مركزة على البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي. الرئيس التنفيذي لـ «أمازون ويب سيرفيسز»، مات غارمان، قال لـ «فوربس» في أبريل إن شركته «تواصل التفاؤل الشديد بشأن شراكاتنا في الشرق الأوسط وإمكانات المنطقة طويلة المدى». إدارة ترامب منحت دفعة للمنطقة في يوليو بقواعد تصدير جديدة تمنح «جي 42» وذراعها السحابي «كور 42» والشركات الأمريكية العاملة في الإمارات إمكانية الوصول لرقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة دون تراخيص تصدير.
العلاقة المعقدة: العلاقة بين عمالقة التقنية الأمريكيين وأبطال الذكاء الاصطناعي في الخليج «ضيقة بشكل غير عادي» ، تضم صفقات متعددة بمليارات الدولارات، مما يجعل فك الارتباط «صعباً جداً، وإن لم يكن مستحيلاً»، خلال الأوقات العصيبة. «أوبن إيه آي» و«أوراكل» مثلاً مزمعتان لتشغيل «ستارغيت الإمارات» التي تبنيها «جي 42» مع شركاء بينهم «إنفيديا» و«سيسكو» و«سوفت بنك» في صفقة تقارب 30 مليار دولار. لكن الشركات عموماً التزمت الصمت حول خطط الاستثمار الإضافي في بنية الخليج التحتية لما بعد الالتزامات القائمة. شركات أمريكية تضم أمازون وجوجل ومايكروسوفت وسيسكو وإنفيديا إما رفضت التعليق أو لم ترد على طلبات التعليق. «أعتقد أن كثيراً من الشركات في وضع انتظار وترقب»، يقول سام وينتر-ليفي، باحث أول في الذكاء الاصطناعي والجيواستراتيجية في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي». «مراكز البيانات أهداف سهلة. إنها منشآت صناعية كبيرة ومنتشرة. موجودة على خرائط جوجل. حمايتها من المسيرات صعبة.»
المعادلة القادمة: هل ستقدم الشركات الأجنبية استثمارات إضافية في بنية الخليج التحتية للذكاء الاصطناعي؟ يعتمد الجواب على الموازنة بين خطر تجدّد القتال ومزايا الخليج الواضحة كمزود حوسبة، كما يقول غوك. «سمعت من عدد من مطوري مراكز البيانات الدوليين أن مجالس إداراتهم أصبحت أكثر حذراً بشأن الالتزام باستثمارات إضافية في»، والجملة مقطوعة في المصدر، لكن الاتجاه واضح: الحذر يتصاعد، والبناء مستمر، والمعادلة لم تُحسم بعد.