اقتصاديات الإنتاج السينمائي بالذكاء الاصطناعي: الحوسبة تلتهم ميزانيات الاستوديوهات وتعيد هيكلة الكوادر الفنية
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
شهدت صناعة السينما تحولا مفصليا في معادلات الإنتاج والتكاليف مع دخول أدوات توليد الفيديو والتمثيل الاصطناعي إلى عمق الاستوديوهات، حيث كشفت تجربة فيلم «هيل غرايند» المعروض في مهرجان كان السينمائي عن إمكانية إنتاج فيلم روائي مدته 95 دقيقة في أقل من ثلاثة أسابيع وبميزانية لا تتجاوز 500 ألف دولار. المفارقة الاقتصادية الأبرز في هذه التجربة، التي نفذها فريق مكوّن من 15 فردا في شركة «هيغزفيلد إيه آي»، تمثلت في أن أربعة أخماس الميزانية، أي 80 في المئة منها، صُرفت بالكامل على موارد الحوسبة السحابية والبنية التحتية، بينما ذهب الخُمس المتبقي فقط لتغطية أجور الفريق البشري. يعكس هذا التحول انقلابا جذريا في بنية الإنفاق التقليدية، حيث كانت أجور الكوادر ومواقع التصوير والمعدات تستحوذ تاريخيا على الحصة العظمى من التكاليف، بينما أصبحت مراكز البيانات ووحدات معالجة الرسوميات هي البند المالي الأول في موازنات الإنتاج المعتمدة على الأنظمة الذكية.
تتسابق شركات التوليد المرئي على ترسيخ نماذج أعمال جديدة تهدف إلى إدخال الأنظمة الذكية في مختلف مراحل دورة الإنتاج. فقد نجحت «هيغزفيلد إيه آي»، التي تأسست عام 2023، في جمع 400 مليون دولار ضمن جولة تمويلية من الفئة (ب) بتقييم بلغ 5.4 مليارات دولار، بعد ثمانية أشهر فقط من جولة سابقة جمعت فيها 80 مليون دولار بتقييم 1.3 مليار دولار. تعتمد الشركة على منصة مخصصة لصناع الأفلام تتيح الوصول المباشر إلى 33 نموذجا توليديا مختلفا، من بينها نماذج لشركات كبرى مثل «أوبن إيه آي» وغوغل و«بايت دانس»، مع تجربة مسارات قانونية لترخيص الملامح البشرية رقميا لشخصيات حقيقية، كما حدث مع مقاتل الفنون القتالية إسرائيل أديسانيا. بالتوازي مع ذلك، جمعت شركة «رن واي» 315 مليون دولار في جولة تمويلية من الفئة (هـ) بتقييم 5.3 مليارات دولار، وباعت حصة استثمارية لاستوديو «ليونزغيت» الشهير لدمج نماذجها في توليد المحتوى، وذلك بعد تطويرها النموذج التوليدي «جين 4.5» القادر على بناء المشاهد انطلاقا من أوامر نصية مباشرة والتعاون مع فنانين لإنتاج أعمال كرتونية وقصيرة في فترات قياسية.
يمتد التأثير إلى ما وراء شاشات العرض ليطال عقود العمل ومعايير الرقابة النقابية في قطاع الترفيه. فقد فرض هذا الصعود التقني بنودا حمائية حاسمة في الاتفاقية التعاقدية الممتدة لأربع سنوات بين الاستوديوهات الكبرى ونقابة الممثلين «ساغ أفترا»، التي تمثل 160 ألفا من الممثلين والكتاب والفنانين، واضعة قيودا صارمة على آليات استخدام الذكاء الاصطناعي وشروط التعويض المالي والموافقات المسبقة عند استنساخ الأصوات والملامح. وفي قطاع التحليلات والوكلاء، توظف شركات ناشئة مثل «كرونيكل» وكلاء لمتابعة قنوات يوتيوب وسلوك الجماهير لمساعدة الاستوديوهات وصناع المحتوى على تحسين استراتيجيات الترويج وتوقع تفاعل المشاهدين مع المواد المرئية، بينما أطلقت شركة «لوما»، المدعومة بتمويلات ضخمة واستثمارات تقنية منها مساهمة شركة «هيومين»، منظومة وكلاء لتنفيذ المهام الإبداعية المتكاملة عبر النصوص والصور والصوت والفيديو، مما ينقل دور المصمم البشري من التنفيذ اليدوي إلى إدارة الأصول الافتراضية وضبط المسارات الإبداعية الشاملة.
بالنسبة لشركات الإنتاج واستوديوهات المونتاج والدعاية في الخليج ومصر والشام، ينقل هذا التحول معركة المنافسة من حجم الأساطيل ومعدات التصوير التقليدية إلى كفاءة إدارة موازنات الحوسبة واختيار النماذج التوليدية المناسبة لكل مرحلة. التكلفة التي كانت تُنفق في استئجار مواقع التصوير وتوظيف مئات الفنيين ستتحول تدريجيا إلى اشتراكات حوسبة سحابية وتراخيص تشغيل المنصات الذكية، مما يتيح للفرق الصغيرة وفرق الإنتاج المستقلة في القاهرة أو الرياض أو بيروت أو دبي تقديم أعمال مرئية بمستويات بصرية كانت تتطلب في السابق ميزانيات ضخمة يعجز عنها إلا كبار المنتجين. وعلى المستوى المهني، تصبح المهارة الأكثر طلبا في غرف الإنتاج المحلية هي القدرة على هندسة الأوامر المرئية والدمج الهجين بين المؤثرات المادية والتوليد الرقمي، مع ضرورة صياغة أطر تعاقدية تحمي حقوق المبدعين والممثلين المحليين عند ترخيص أشباههم الرقمية في الإعلانات والأعمال الدرامية قبل أن تفرض الحلول التوليدية أمرا واقعا على سوق العمل الإقليمي.
الرهان الفاصل في هذا التحول لن تحدده سرعة الخوارزميات وحدها، بل قدرة الاستوديوهات على حفظ التوازن الدقيق بين الرؤية الفنية والجدوى الحسابية. وتشير تقديرات مؤسسة «ماكينزي» إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على نحو 20 في المئة من الإنفاق على المحتوى الأصلي للأفلام والتلفزيون بحلول عام 2030، فاتحا آفاقا واسعة أمام المشاريع المخصصة والقوالب القصيرة. غير أن الاستجابة الجماهيرية تظل المعيار الحاسم، خاصة بعد أن برهنت مبيعات التذاكر في عام 2026 على عزوف المشاهدين عن الأعمال التي تبالغ في الاعتماد على المؤثرات الحاسوبية مقارنة بالأعمال التي استخدمت مؤثرات واقعية، ما يؤكد أن أدوات الذكاء الاصطناعي تظل وسيلة لتعزيز كفاءة الإنتاج وتوسيع خيال الكاتب والمخرج، لا بديلا كاملا عن الجوهر الفني للعمل السينمائي.