تخطَّ إلى المحتوى

مصارف أوروبية تستبدل النماذج المغلقة بأوزان مفتوحة لمعالجة مليارات المعاملات داخل جدرانها

شارك المقال
مصارف أوروبية تستبدل النماذج المغلقة بأوزان مفتوحة لمعالجة مليارات المعاملات داخل جدرانها
الصورة: Markus Spiske / Unsplash

تكشف الإعلانات المتزامنة في مؤتمر «GTC» ببرلين عن تحول هيكلي في القطاع المالي العالمي: كبرى المؤسسات المصرفية وشركات المدفوعات لم تعد تكتفي باستئجار الذكاء الاصطناعي عبر واجهات برمجة مغلقة، بل اتجهت إلى بناء ذكاء سيادي خاص داخل جدرانها الرقمية اعتمادا على نماذج مفتوحة الأوزان وحوسبة مسرعة تضمن السيطرة الكاملة على البيانات والتكاليف.

يقود هذا التحول مصرف «ريفولوت» الذي أعاد بناء بنيته التكنولوجية بالكامل بالاستناد إلى نموذج تأسيسي موحد يحمل اسم «براغما» (PRAGMA). يعمل النموذج على معالجات «إنفيديا بلاكويل ألترا» ومدعوما بحزمة أدوات «cuDF» وبرمجيات «Dynamo-Triton»، ليخدم في مرحلته الحالية ثمانين مليون عميل مع قابلية هندسية للتوسع إلى ثلاثة أضعاف. ويوضح بافيل نيستيروف، رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في المصرف، أن معالجة مليارات المعاملات تطلبت إثبات قدرة النماذج التأسيسية على العمل بهذا الحجم الضخم، مؤكدا أن الشراكة مع «إنفيديا» أغلقت الفجوة القائمة بين الابتكارات البحثية والأنظمة المصرفية الحية في بيئة الإنتاج الفعلي.

السيادة التشغيلية تحولت من متطلب تنظيمي إلى معمارية تقنية ملزمة للبنوك. ففي المملكة المتحدة، أصبح «ستارلينغ بنك» أول مصرف يدرب نموذجا وكيليا متكاملا على بنية سحابية سيادية محلية عبر سحابة «سيفو» البريطانية، مطورا طبقة «ستارلينغ إنتلجنس» اعتمادا على بيانات عملياته الخاصة حصرا. وفي السياق ذاته، طوّرت مجموعة «لويدز» المصرفية نموذج «أتوم» (ATUM) لتحويل مليارات المعاملات البنكية إلى معرفة قابلة لإعادة الاستخدام التشغيلي بتسريع من بطاقات «RTX PRO 6000 Blackwell»، بينما أطلقت شركة «إس بي إس» منصة ذكاء سيادي مخصصة تمكّن المصارف من تشغيل النماذج التوليدية والوكيلة دون خروج أي بايت من البيانات خارج أسوارها التنظيمية.

المعادلة الاقتصادية تمثل المحرك الأكثر حساسية خلف هذا التوجه. أظهرت تجربة البنك الرقمي «بانك» (bunq) عند تشغيل مساعده الوكيلي «فين» أن الاعتماد على نماذج مفتوحة الأوزان منشورة عبر سحابة «نيبيوس» يضاهي جودة أداء كبرى النماذج التجارية المغلقة، ولكن بنسبة ستين بالمئة فقط من كلفة الإجابة الواحدة. ويمتد التخصيص ليشمل أبعاد العمليات اليومية كافة؛ إذ يطور بنك «ناتويست» منظومة لمعالجة اللهجات البريطانية والمصطلحات المالية المعقدة عبر نماذج الصوت «Nemotron 3.5 ASR»، وتبني شركة المدفوعات «موديولار» نماذج موجهة لعمليات التحويل بالاستناد إلى نموذج «Nemotron-3-Ultra-550B»، في حين اختار بنك «سانتاندير» عائلة نماذج «كومو» مفتوحة الأوزان لمعالجة البيانات المالية المهيكلة داخل أنظمته المصرفية المركزية.

تنعكس سرعة معالجة تدفقات البيانات المعقدة مباشرة على خطوط الدفاع المالي والبحوث الاستثمارية. أثبتت منصة «سترايب» في اختبارات غير متصلة أن تسريع معالجة بيانات منصة كشف الاحتيال «سترايب رادار» عبر مكتبات «Ray Data» والمعالجات الرسومية يحقق قفزة في سرعة خطوط معالجة البيانات بمقدار اثنين وأربعين ضعفا، مع توفير اثنين وتسعين بالمئة من التكاليف التشغيلية. وعلى صعيد متصل، رفع بنك «إتش إس بي سي» سرعة معالجة البيانات خمسة أضعاف عبر محرك «Starburst Enterprise» لتقليل مخاطر الاحتيال وتقديم رؤى لحظية للعملاء، بينما استطاعت بورصة لندن تسريع تحليل بيانات التداول اللحظية التاريخية بنحو عشرة أضعاف، بالتوازي مع تطوير شركة «ريفن باك» عبر منصة «Bigdata.com» مسارات آلية تحول الفرضيات البحثية المكتوبة بلغة طبيعية إلى مجموعات بيانات مهيأة للاختبار التجريبي.

هذا التحول يعيد رسم أولويات الإنفاق والمهارات في المؤسسات المالية بالمنطقة. ففي أسواق الخليج التي تفرض فيها البنوك المركزية أطرا صارمة لتوطين البيانات وسريتها، يمنح نجاح المعماريات الأوروبية المفتوحة مديري التقنية دليلا عمليا على إمكانية تشغيل أحدث قدرات الذكاء الاصطناعي محليا دون خرق أطر الامتثال أو دفع فواتير متصاعدة لمزودي النماذج السحابية المغلقة. وفي مصر والشام، حيث تسعى الشركات الناشئة وفرق التطوير إلى خفض كلفة الاستدلال والحوسبة، يبرهن نموذج الحوسبة المفتوحة على أن بناء منصات دفع وخدمات مالية ذكية لا يتطلب ميزانيات ضخمة لاستدعاء واجهات البرمجة الأجنبية، بل يستوجب إعادة توجيه الكفاءات الهندسية نحو ضبط النماذج محليا وتسريع معالجة البيانات المهيكلة على خوادم يملكها المطور ويديرها بذاته.

تكشف المؤشرات التشغيلية القادمة من البنوك أن امتلاك النموذج المفتوح وتخصيصه على البنية الداخلية بات حجر الزاوية للمنافسة المالية المستدامة، حيث تلتقي متطلبات الامتثال السيادي مع جدوى الكلفة الميدانية بعيدا عن قيود التبعية السحابية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد