تخطَّ إلى المحتوى

«أوهام الاكتفاء الذاتي»: خمس أولويات ترسم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي خارج ثنائية واشنطن وبكين

شارك المقال
«أوهام الاكتفاء الذاتي»: خمس أولويات ترسم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي خارج ثنائية واشنطن وبكين
الصورة: Saifee Art / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت سارة (Sarah)

يكشف المشهد الدولي للذكاء الاصطناعي عن هوة شاسعة بين الخطاب السياسي والواقع التقني، إذ تُظهر البيانات أن السباق العالمي ليس مفتوحاً كما يُروّج له، بل ينحصر في احتكار ثنائي تقوده الولايات المتحدة والصين. فخلال عام 2025، أنتجت المؤسسات الأمريكية 59 نموذجاً بارزاً مقابل 35 نموذجاً من المؤسسات الصينية، بينما جاءت أكثر من 90 في المئة من النماذج الرائدة من داخل الشركات التجارية لا المراكز الأكاديمية. ويمتد هذا التركيز إلى البنية التحتية الصلبة، حيث تسيطر شركة «إنفيديا» على أكثر من 60 في المئة من قدرات الحوسبة عالمياً، وتستحوذ الولايات المتحدة على 5427 مركز بيانات متفوقة بعشرة أضعاف على أقرب منافسيها، في حين تتولى شركة تايوانية واحدة هي «تي إس إم سي» تصنيع كل الرقائق المتقدمة تقريباً. وفي جانب التمويل، بلغ الاستثمار الخاص الأمريكي 285.9 مليار دولار في 2025، مقابل نحو 6.8 مليارات دولار فقط في الاتحاد الأوروبي، بينما تهيمن الصين على حجم المنشورات البحثية والاقتباسات وبراءات اختراع الذكاء الاصطناعي التوليدي.

هذا الاختلال الهيكلي يفرض على بقية الدول إعادة تعريف مفهوم «السيادة التقنية». إن إعلان حكومات متعددة، من بينها السعودية وفرنسا والهند، عن إطلاق نماذج وطنية ومراكز حوسبة محلية، يمثل خطوات مفهومة، لكن المشكلة تبدأ حين يُختزل مفهوم السيادة في محاولة إعادة إنتاج سلسلة الإمداد بأكملها محلياً. فالنموذج المصنف وطنياً يظل في جوهره معتمداً على رقائق أجنبية وسحب تخزين خارجية وبرمجيات مستوردة. ومن هنا، فإن معيار السيادة الحقيقي لا يقاس بالاكتفاء الذاتي المستحيل، بل بطبيعة التبعية ومدى فهمها، وامتلاك خيارات بديلة، وقدرة الدولة على التفاوض وفرض شروط استخدام بياناتها دون الوقوع في أسر المورد الواحد.

ولا يمكن التعويل على المؤسسات الدولية لتعويض هذا العجز البنيوي. فرغم تأسيس الأمم المتحدة لهيئات جديدة، مثل الفريق العلمي الدولي المستقل للذكاء الاصطناعي الذي يضم 40 خبيراً، وإطلاق الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف، إلا أن هذه المنصات تظل مساحات للنقاش وتقديم الأدلة العلمية، وليست جهات تنظيمية أو مالية قادرة على بناء بدائل تقنية عامة. ويكفي النظر إلى حجم الإنفاق الرأسمالي المتوقع لشركة «جوجل» وحدها، والذي يتراوح بين 195 و205 مليارات دولار في عام 2026 الموجه نحو الرقائق المخصصة ومراكز البيانات والشبكات، لإدراك استحالة منافسة المنظمات الدولية المحاصرة مالياً للقطاع الخاص.

أمام هذا الواقع، تتحدد الاستراتيجية الواقعية للدول في خمس أولويات عملية: أولها حصر دقيق للمنظومات والبيانات الحساسة ومعرفة كلفة الانتقال بين المزودين في حال انقطاع الخدمات. وثانيها بناء كفاءات تقنية وقانونية داخل أجهزة المشتريات الحكومية لتكون «مشترياً ذكياً» يفكك العقود ويقيم المنتجات باستقلالية. وثالثها وضع خطوط حمراء للمنظومات التي يُمنع تفويضها للخارج، كالأنظمة الدفاعية والهوية الوطنية، مع إتاحة الحوسبة العامة للباحثين والشركات المحلية. ورابعها تبني سياسة «عدم انحياز تقني» تحفظ هوامش المناورة وتمنع الارتباط ببنية سحابية مغلقة يصعب تغييرها لاحقاً. وأخيراً، التكتل الإقليمي واستغلال أوراق القوة كالأراضي والطاقة والمياه في التفاوض الجماعي مع شركات السحب ومراكز البيانات.

هذه التحولات تضع غرف اتخاذ القرار والمؤسسات التقنية في الخليج ومصر والمشرق العربي أمام اختبار مباشر: إن بناء مراكز البيانات والنماذج المحلية لا يحقق أهدافه إن لم يقترن بتدريب فرق مشتريات وتنظيم قادرة على فحص التراخيص وشروط البيانات ومنع الاحتكار. وعليك كمسؤول تقني أو مؤسسي في المنطقة أن تدرك أن القرارات التعاقدية التي تُبرم اليوم مع مزودي البنية التحتية هي التي سترسم الاصطفاف الحقيقي وتحدد كلفة الاستقلال الرقمي لسنوات قادمة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد