تخطَّ إلى المحتوى

«رهان رأس المال الجريء في مسقط: عُمان تدعم مؤسسي الذكاء الاصطناعي والتقنية العميقة بدلا من الاكتفاء بالبنية التحتية»

شارك المقال
«رهان رأس المال الجريء في مسقط: عُمان تدعم مؤسسي الذكاء الاصطناعي والتقنية العميقة بدلا من الاكتفاء بالبنية التحتية»
الصورة: Vitaly Sacred / Unsplash

اعتادت أسواق رأس المال في المنطقة ملاحقة سباق الذكاء الاصطناعي عبر ضخ المليارات في البنية التحتية ومراكز البيانات وشراء أسهم الشركات التقنية الكبرى، لكن التحرك القادم من مسقط يطرح معادلة استثمارية مغايرة تضع السيولة في يد المؤسسين مباشرة وهم يبنون حلولهم من الصفر. أعلنت شركة «فيز فنتشرز»، التي تتخذ من سلطنة عُمان مقرا لها، عن إطلاق صندوقين استثماريين جديدين يستهدفان جمع أكثر من 75 مليون دولار، مع تأمين أكثر من 40 مليون دولار حتى الآن من التزامات المستثمرين لدعم الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنية العميقة محليا ودوليا.

يقوم هذا التحرك على هيكل تمويلي مزدوج يعكس نضجا في توظيف السيولة السيادية والمؤسسية. يحمل المركب الأول اسم «صندوق فيز فنتشرز الثاني» لمواصلة الاستثمار عالميا في التقنية العميقة عبر الخليج وأمريكا الشمالية، مدعوما بمجموعة «إذكاء» التابعة لجهاز الاستثمار العُماني و«أومنفيست» ومؤسسة التنمية للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال. في المقابل، يركز المركب الثاني، وهو «صندوق فيز فنتشرز عُمان» المدعوم من «صندوق مستقبل عُمان»، على توفير رأس مال مخصص بالكامل للشركات المحلية التي تبني نماذج أعمال قائمة على الذكاء الاصطناعي داخل السلطنة، تزامنا مع تأسيس مركز عُمان المالي الدولي ليكون مقرا إقليميا للمستثمرين والشركات الدولية.

ترتكز هذه الخطوة على قناعة استراتيجية صريحة لخصها عبد الله الشقصي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة التي انطلقت عام 2018 بمشاركة محمد الوهيبي ومسعود الرواحي، حين أكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل التحول التقني الأكثر جذرية في جيلنا الحالي، مشددا على أن عُمان والخليج لا يمكنهما البقاء في مقاعد المتفرجين، أو الاكتفاء باللحاق بركب الاستثمارات في البنية التحتية ومزودي السحاب العالميين والأسواق العامة. الرهان الحقيقي يتمثل في دعم المؤسسين الذين يعيدون تشكيل الصناعات مبكرا، وامتلاك حصص مؤثرة في شركاتهم أثناء مرحلة التأسيس.

هذا الرهان لا يبدأ من فراغ، فالمنصة الاستثمارية نفذت بالفعل عشرة استثمارات نوعية تبرهن على طبيعة التقنية التي تستهدفها. تشمل المحفظة شركة «عربي إيه آي» (Arabic.AI) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي المؤسسي باللغة العربية والمدعومة من شركة «هيومان» السعودية وشراكة كوالكوم، وشركة «سالي إيه آي» (Sully.ai) لحلول الرعاية الصحية التي وثقت دراسة حالة لشركة «إنفيديا» نجاحها في خفض تكاليف الاستدلال بنسبة 90 بالمئة وتحسين سرعة الاستجابة الطبية بنسبة 65 بالمئة. كما شملت الاستثمارات شركة «أندروميدا سيرجيكال» لجراحة الروبوتات الذكية المستقلة قبل جولتها التمويلية الأولى بقيمة 15 مليون دولار، إضافة إلى منصة جمع التمويل الذكية «ميتال» التي استثمرت فيها «فيز فنتشرز» بجانب «واي كومبيناتور» و«أندريسن هورويتز»، وشركة «بوردي إيه آي».

الاصطفاف الاستثماري إلى جانب عمالقة رأس المال الجريء العالميين مثل «أندريسن هورويتز» و«8 في سي» و«بايدو فنتشرز» يعكس قدرة الفرق الإقليمية على النفاذ إلى جولات التمويل النوعية. وتدير الشركة اليوم رؤوس أموال لأكثر من 50 مستثمرا من الكيانات السيادية والشركات المدرجة والمكاتب العائلية في عُمان والسعودية والبحرين والهند، وتنتشر فرقها بين مسقط ودبي والرياض، ما يمنحها شبكة عابرة للحدود تفتح الأبواب للشركات التابعة لها في أسواق المنطقة.

يكشف هذا المسار التمويلي ما يتغير عمليا لرواد الأعمال والمهندسين في الخليج ومصر والمنطقة؛ فالسيولة الاستثمارية لم تعد تبحث عن واجهات التطبيقات الاستهلاكية السريعة، بل تتجه نحو الكفاءة الهندسية وحل الاحتكاكات المعقدة في المؤسسات. بالنسبة للمؤسس التقني في مسقط أو الرياض أو القاهرة، يعني وجود هذه الصناديق أن تقييم المشروع بات يرتبط بقدرته على خفض كلفة المعالجة وتقديم قيمة تشغيلية قابلة للقياس، كما أثبتت تجارب المحفظة في الرعاية الصحية واللغة. كما يفرض على الشركات الناشئة المحلية التحالف مع شركاء استثماريين يمتلكون شبكات وصول عابرة للأسواق، لأن كلفة رأس المال البطيء باتت باهظة في ظل التسارع التقني العالمي.

إن بناء أصول الذكاء الاصطناعي في المنطقة يتطلب شجاعة استثمارية تسبق مرحلة الإجماع العام في الأسواق. وعندما تضع الصناديق السيادية ثقلها خلف مديري استثمار محليين يعرفون بيئة المؤسسين ويجلسون معهم في غرف التأسيس الأولى، يتحول رأس المال الجريء من مجرد أداة مالية إلى محرك سيادي يضمن ألا تكون المنطقة مستهلكا دائما للتقنيات التي يصنعها الآخرون.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد