تخطَّ إلى المحتوى

«أوبن إيه آي» تستدعي إرث روزفلت: معركة مراكز البيانات تسبق انتخابات الرئاسة الأمريكية

شارك المقال
«أوبن إيه آي» تستدعي إرث روزفلت: معركة مراكز البيانات تسبق انتخابات الرئاسة الأمريكية
الصورة: Aldward Castillo / Unsplash

استبقت شركة «أوبن إيه آي» ارتدادات نتائج انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس الأمريكي، لتتحرك مبكراً نحو حجز مقعد في صياغة أجندة السباق الرئاسي لعام 2028. طرح كريس ليهان، رئيس الشؤون العالمية في الشركة، مقالاً يدعو فيه صناع القرار إلى ابتكار مسار ثالث يستوعب قلق الناخبين من التحولات الاقتصادية، مستعيراً بصورة مباشرة نموذج «الصفقة الجديدة» التي أطلقها الرئيس فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي لإعادة هيكلة الاقتصاد بعد الكساد الكبير.

يحدد ليهان خمس أولويات تشمل حماية العمال، وتطوير التعليم، وتطبيق معايير سلامة للأنظمة، وتوسيع البنية التحتية لمراكز البيانات. يمثل هذا الطرح تحولاً مقصوداً في خطاب الشركة، التي ركزت طوال العام الماضي على تسريع التطوير ورفع القيود التنظيمية وتسهيل التوسع المادي. وجاء هذا التحول عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي وسط استياء شعبي واسع من تكاليف المعيشة والتضخم وأسعار الكهرباء، وهي المخاوف نفسها التي جعلت معارضة بناء مراكز البيانات قضية انتخابية مشتركة بين الحزبين في دوائر أمريكية عدة.

وعندما فحصنا هذا الطرح وسياقه، برزت مفارقة عميقة أشارت إليها كيت برينان، مسؤولة سياسات الذكاء الاصطناعي وقوة الشركات في معهد «إيه آي ناو». فالصفقة الجديدة الأصلية بنيت على توظيف قدرات الدولة لكبح جماح الشركات الكبرى وحماية حقوق العمال، بينما تأتي وثيقة «أوبن إيه آي» من شركة خاصة تدعو لسياسات تخدم توسعها التجاري بالدرجة الأولى. يقترح ليهان حوافز ضريبية لتدريب الموظفين وتسهيل تمويل رواد الأعمال وتوسيع تملك العاملين للأسهم، لكنه يتجنب أي التزامات قانونية تضمن تقاسم الثروة أو تجبر الشركات على دفع تكاليف إزاحة العمالة، وهو ما تراه برينان افتراضاً مسبقاً بأن تبني التقنية سيفيد المجتمع تلقائياً دون الحاجة إلى ضرائب تصاعدية أو حوافز ملموسة لتوظيف البشر بدلاً من أتمتة وظائفهم.

تتضح النبرة الدفاعية بصورة أكبر في ملف مراكز البيانات؛ إذ يركز ليهان على وظائف البناء وعائدات الضرائب المحلية، محذراً من أن أي تجميد لتشييدها سيهدد تفوق الولايات المتحدة أمام الصين، وذهب إلى حد مقارنة الاعتراض عليها بقرار تفويض حرب العراق عام 2002. وفي ملف التعليم، يحذر من إبعاد الأنظمة الذكية عن الفصول المدرسية بدعوى تفادي تعميق الفجوة بين طلبة المدن وأطفال المناطق الريفية، وهو استدلال يفترض دون دليل قاطع أن الذكاء الاصطناعي يحسن مخرجات التعلم، متجاهلاً دعوات الخبراء للتركيز على دعم المعلمين البشريين وتمويل المدارس مباشرة.

ويمتد التباين إلى معايير السلامة التقنية؛ إذ يطالب المسؤول التنفيذي بمعايير ملزمة وإشراف عام وإمكانية تفعيل قواطع طوارئ لإيقاف النماذج عند فقدان السيطرة، في حين تظهر السجلات أن «أوبن إيه آي» عارضت في عام 2024 مشروع قانون السلامة في كاليفورنيا «إس بي 1047» الذي استهدف فرض تقييمات المخاطر الكارثية ذاتها، وسعت للحد من التشريعات المحلية قبل أن تعدل بعض مواقفها وتفتح الباب أمام مدققين مستقلين داخل مقارها.

تحمل هذه المناورة السياسية في واشنطن دلالات مباشرة لصناع القرار المالي والتقني في المنطقة العربية، وتحديداً في الخليج ومصر والمشرق. إن تحويل مراكز البيانات واستهلاك الكهرباء إلى ساحة اشتباك انتخابي بسبب فواتير الطاقة وتكاليف المعيشة يعني أن التحالفات الإقليمية وصناديق الاستثمار التي تشارك في تمويل مجمعات الحوسبة الأمريكية ستواجه بيئة سياسية أكثر تعقيداً واشتراطات وضغوطاً متزايدة لتقديم مكاسب تنموية ملموسة للمجتمعات المحلية. وفي الوقت نفسه، فإن تسويق أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم باعتبارها سبيلاً لتقليص الفوارق الطبقية يمهد لموجة ضغط تسويقية على وزارات التعليم والمؤسسات الإقليمية لشراء برمجيات وحزم اشتراكات باهظة، في وقت تؤكد فيه الوقائع أن الأولوية التشغيلية يجب أن تظل لتأهيل الكوادر البشرية وتطوير المناهج الواقعية قبل تفويض العملية التعليمية للآلة.

تكشف محاولة «أوبن إيه آي» المبكرة للتأثير في انتخابات 2028 أن مستقبل التوسع التقني لم يعد مسألة كفاءة خوارزمية فحسب، بل قضية صراع على الموارد وتوزيع الأعباء العامة. وعندما تطلب شركات الذكاء الاصطناعي من المجتمعات تحمل ضغوط الطاقة وشبكات الكهرباء مقابل وعود بالرخاء المستقبلي، فإن الاختبار الحقيقي ينتقل إلى قدرة السياسات العامة على حماية مصالح الأفراد قبل أن تترسخ الهيمنة الاحتكارية وراء شعارات المصلحة الوطنية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد