تخطَّ إلى المحتوى

احتجاز البنية التحتية الأمريكية يدفع شركات المنطقة نحو تحويط سيادي صيني

شارك المقال
احتجاز البنية التحتية الأمريكية يدفع شركات المنطقة نحو تحويط سيادي صيني
الصورة: Sergei A / Unsplash

تبدو الهيمنة التقنية مكتملة الأركان عندما نراقب تدفق الحوسبة السحابية: أربعون مليار دولار تعهدت بها شركات مايكروسوفت وأمازون وأوراكل لمشاريع الذكاء الاصطناعي في الخليج على مدى العقد المقبل، وعناقيد حوسبة عملاقة مثل مجمع «ستارغيت» في الإمارات بتكلفة تتجاوز ثلاثين مليار دولار، وصفقات تمنح السعودية حق شراء خمسة وثلاثين ألف رقاقة متقدمة من «إنفيديا». غير أن التدفق الهائل للسيليكون الأمريكي لم يغلق ملف السيادة التقنية في المنطقة؛ بل نقل المعركة من استيراد العتاد إلى إدارة مخاطر الارتهان السياسي لواشنطن.

تظهر شروط التراخيص الأمريكية بوضوح كيف يتحول العتاد إلى أداة نفوذ جيوسياسي مباشر. فلكي تحصل شركة «جي 42» وذراعها السحابية «كور 42» على تدفق الرقائق دون تراخيص مسبقة حتى أبريل 2027، فككت شراكاتها السابقة مع الجهات الصينية ودرست التحول إلى شركة أمريكية التأسيس، بينما وافقت شركة «هيوماين» السعودية على حظر تدريب النماذج الصينية المتقدمة فوق طاقتها الحوسبية كشرط لنيل رخص التصدير. النماذج تتغير بسرعة، لكن البنية التحتية تأسر مشغليها، والانسحاب من منظومة عتادية كلفت عشرات المليارات يصبح مستحيلا من الناحية العملية على المدى القريب.

هذا القيد الهيكلي اصطدم بواقع التقلب التنظيمي في واشنطن، لا سيما بعدما علقت الإدارة الأمريكية بصورة مؤقتة وصول العملاء الأجانب إلى نماذج «أنثروبيك» المتقدمة مثل «فيبل 5» و«ميثوس 5» لدواع أمنية. هذه الخطوة دقت جرس إنذار حقيقي لدى المؤسسات الإقليمية التي أدركت فجأة أن بنية أعمالها الكاملة قد تتوقف بقرار سياسي مفاجئ يغلق واجهات البرمجة دون سابق إنذار، وهو ما عبّر عنه مطورو المنصات في المنطقة بحالة قلق ملموسة من سيناريو فقدان الوصول إلى النماذج الأساسية.

هنا تحديدا تبرز الصين كخيار تحويط استراتيجي لا يمكن تجاوزه. ورغم أن الالتزامات المعلنة لشركات «هواوي» و«تنسنت» و«علي بابا» لم تتجاوز مليار دولار، فإن النفوذ الصيني يعتمد على شبكة علاقات تقنية وتشغيلية ممتدة؛ بدءا من شبكات الجيل الخامس، ومراكز السحاب التابعة لهواوي في السعودية ومصر والإمارات، وصولا إلى تحول مصر لمركز تجميع يضخ أكثر من عشرين مليون هاتف ذكي سنويا بعلامات تجارية مثل شاومي وهونر وفيفو وسامسونج. أوزان النماذج المفتوحة القادمة من الصين توفر مخرجا عمليا لمتطلبات السيادة، إذ تتيح للشركات الإقليمية استضافة الذكاء الاصطناعي على خوادمها الداخلية بعيدا عن القيود السحابية الغربية.

التحول العملي الذي يواجه قيادات التقنية ومديري البنية الرقمية في الخليج ومصر والشام لا يدور حول قطيعة مستحيلة مع المورد الأمريكي، بل يفرض هندسة معمارية مزدوجة تحمي الاستقلالية التشغيلية. إن كنت تبني أنظمة رقمية للخدمات الحيوية كالمعاملات المالية أو الرعاية الصحية أو السجلات المؤسسية، فإن الدرس المستفاد يفرض عليك عدم ربط خطوط إنتاجك كليا بنموذج خارجي مغلق قد تحظره واشنطن غدا، والاعتماد المتزامن على النماذج مفتوحة المصدر والشراكات البديلة، تماما كما تحافظ كبرى الشركات في المنطقة على مسارات تعاون مع مختبرات مثل «ميني ماكس» الصينية لبناء نماذج عربية مخصصة.

وتزداد تعقيدات المشهد مع التحولات السياسية الأخيرة داخل الولايات المتحدة، حيث تشير نتائج انتخابات التجديد النصفي وفوز الديمقراطيين إلى احتمالات تدقيق برلماني مشدد على صفقات تصدير الرقائق للخليج، بالتزامن مع تصويت ناخبين أمريكيين في ثلاث وثلاثين مقاطعة لصالح حظر أو تقييد بناء مراكز البيانات محليا. هذا التضييق قد يدفع عمالقة التقنية الأمريكيين للبحث عن مواقع خارجية أقل اعتراضا، لكنه في الوقت ذاته يعزز حاجة العواصم العربية لامتلاك بدائل تشغيلية صلبة تقيها تقلبات السياسة الداخلية في واشنطن.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد