أربع اتفاقيات لأبوظبي مع «أوبن إيه آي»: نقل النماذج المتقدمة إلى سلاسل إمداد الطاقة ومحافظ الاستثمار
تكشف الشراكات الأربع التي أعلنتها أبوظبي مع شركة «أوبن إيه آي» عن تحول عملي في توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تغادر مساحات الاستخدام التجريبي لتتصل مباشرة بمفاصل الإدارة الحكومية وإنتاج الطاقة وتوجيه الاستثمارات الكبرى. الإعلان الصادر عن مكتب أبوظبي الإعلامي في الثاني من نوفمبر 2026، في أعقاب لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان بالرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، لا يطرح وعودًا برمجية عامة، بل يوزع المهام على أربعة مسارات تشغيلية متوازية تشمل حكومة الإمارة، ومجموعة «أدنوك»، وشركة «مبادلة»، إلى جانب اتفاقية نشر أوسع تمتد لخمس سنوات تتولاها «إنسبشن 42» التابعة لمجموعة «جي 42» لدعم المؤسسات والتعليم في دولة الإمارات.
المسار الأول يترجم السياسات المكتوبة إلى قواعد إجرائية رقمية قابلة للتحقق الصارم. أطلقت دائرة التمكين الحكومي مبادرة «الحكومة المقروءة آليًا»، وبدأت تطبيقها التشغيلي في تدقيق استيراد الأغذية لدى هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، مع استهداف التوسع لاحقًا نحو رخص البناء والأنشطة التجارية والمشتريات. جوهر هذا النظام يقوم على فحص المعاملات ومطابقتها بالنصوص النظامية وربط النتيجة بالبند القانوني المقابل، مع الإبقاء على اللوائح كما هي دون تعديل. والأهم هنا هو تثبيت المسؤولية المهنية؛ إذ يحتفظ الموظف البشري بسلطة القرار النهائي، مع استبعاد القرارات الذاتية المستقلة في المسائل الحساسة أو تلك التي تمس الحقوق والأهلية والخدمات الأساسية. وتتم المعالجة الحسابية على معالجات رسومية داخل مراكز بيانات إماراتية، مع احتفاظ الحكومة بالملكية الكاملة للبيانات وحظر تدريب النماذج عليها.
وفي قطاع الطاقة، تراهن «أدنوك» على اختصار إعداد خطط الحقول المعقدة من شهور إلى ساعات. الشراكة الممتدة لعدة سنوات توظف نموذج «أوبن إيه آي فرونتير» فوق بنية «جي 42» التحتية داخل الدولة، بإشراف خبراء بشريين على القرارات المصيرية. وتبدأ التطبيقات بربط خيارات الإنتاج في المكامن بعمليات المعالجة والتكرير وسلاسل الإمداد والتداول التجاري، بالاعتماد على دمج بيانات المكامن والمرافق وحسابات التكلفة الآنية. وفي اتجاه مكمل، تنخرط «مبادلة» مع «إنسبشن 42» في توظيف النماذج لتحليل الفرص الاستثمارية وتقييم المخاطر، مع التركيز على تدقيق جودة الأبحاث وإدارة المدخلات غير المؤكدة قبل الاعتماد على التوصيات الآلية في تحريك رؤوس الأموال.
أقرأ في هذا التوسع انتقالاً واعيًا من فكرة الوصول إلى النماذج نحو بناء قدرة تشغيلية يمكن الاعتماد عليها وقياسها؛ فالقيمة الحقيقية للتجربة لا تتوقف عند سرعة استخراج خطة تطوير الحقل أو مطابقة شحنة الغذاء، بل ترتبط بجودة القرار بعد اتخاذه. المعيار الفعلي يكمن في فحص ما يغيره الخبير البشري بعد تلقي اقتراح النموذج وما يحدث في العمليات لاحقًا، مع توثيق طريقة تعامل النظام مع البيانات الناقصة والصياغات الملتبسة وخلافات تفسير النصوص النظامية، لتمييز الكفاءة التشغيلية المثبتة عن العروض التقنية السريعة.
بالنسبة للمسؤول والمطور في أسواق الخليج والمنطقة، من الرياض إلى القاهرة وعمّان، يرسم هذا النموذج الإقليمي ملامح المرحلة المقبلة في التعاقد والتشغيل. لم يعد المطلوب مجرد استدعاء واجهات النماذج الجاهزة، بل إدارة دورة القرار بالكامل: بدءًا من تحديد مسارات واضحة للمسؤولية والمراجعة البشرية، وصولاً إلى تدريب الفرق على تدقيق مخرجات النماذج وتفنيدها. كما يفرض على مسؤولي المشتريات تضمين اشتراطات سيادية حاسمة تضمن بقاء البيانات والحوسبة محليًا، وتتيح للمؤسسة استرجاع قواعدها وتاريخ تقييماتها كاملاً دون قيود، حمايةً لأعمالها من الارتهان التقني لأي مزود خارجي.
الدمج العميق للنماذج في بنية القرار يضع التقنية أمام استحقاق النتائج الميدانية لا العناوين البراقة. والرهان المؤسسي الرشيد في منطقتنا يبدأ دائمًا من تحديد نطاق العمل بدقة، وإخضاع مخرجات الآلة لرقابة بشرية مسؤولة، مع الاحتفاظ بملكية المعرفة الرقمية في كل خطوة تخطوها المؤسسة نحو الأتمتة.