تخطَّ إلى المحتوى

بحث في معهد ماساتشوستس يتتبع أصول الهلوسة: مقايضة تاريخية بين إبداع الآلة ودقتها

شارك المقال
بحث في معهد ماساتشوستس يتتبع أصول الهلوسة: مقايضة تاريخية بين إبداع الآلة ودقتها
الصورة: Petri R / Unsplash

تبين دراسة تاريخية جديدة أعدها بنجامين ليندكويست، الأستاذ المساعد في قسم التاريخ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمحقق الرئيس في مختبر أنظمة المعلومات والقرار، أن ظاهرة الهلوسة التي تحاول شركات الذكاء الاصطناعي المعاصرة القضاء عليها لم تكن عيبا طارئا في هندسة النظم، بل نتجت عن قرار متعمد اتخذه رواد الحوسبة في منتصف القرن العشرين بحقن العشوائية واللاعقلانية في الخوارزميات، بهدف محاكاة التفكير الإبداعي البشري وكسر قيود المنطق الحسابي الصارم.

في الورقة البحثية المنشورة في دورية «باست آند بريزنت» بعنوان «الحاسوب اللاعقلاني: العشوائية واللاعقلانية في تاريخ الذكاء الاصطناعي»، يتتبع ليندكويست كيف بدأت هذه الفكرة في أوائل خمسينيات القرن الماضي عبر مهندسين بارزين مثل جون بيرس في مختبرات بيل، الذي رأى أن فائدة الرياضيات تكمن في قدرتها على سحب النظام الصارم من الفن وإدخال طفرات غير متوقعة تؤدي إلى استنتاجات مبتكرة. واستند هذا التوجه إلى تجارب علماء النفس الذين بنوا شبكات عصبية أولية، لاعتقادهم أن نمذجة الدماغ تتطلب محاكاة قدرته على ارتكاب أخطاء منتجة، والنظر في العمليات الفكرية المعقدة بدل الاكتفاء بحسابات محددة النتائج مسبقا.

تلك الرؤية دخلت في صدام مبكر مع معسكر الذكاء الاصطناعي الرمزي الذي ساد لعقود طويلة استنادا إلى القواعد والقضايا المنطقية الجافة، خاصة بعد وفاة عالم النفس البارز فرانك روزنبلات في حادث عام 1971 في يوم ميلاده الثالث والأربعين. ومع عودة الشبكات العصبية بقوة بعد عام 2012 بفضل وفرة البيانات وقدرات الحوسبة الفائقة، انقلبت وظيفة التقنية في السوق التجاري. فبينما كان المهندسون الأوائل يحتفون بالشبكات العصبية لقدرتها على تقديم إجابات غريبة تبتعد عن التوقعات داخل بيئة المختبر المغلقة، أصبحت شركات التقنية مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك تقمع هذه الغرابة بصورة مكثفة نتيجة للمخاطر القانونية والالتزامات المالية المرتبطة بسلامة المخرجات التجارية.

تحذر نتائج البحث من أن السعي الدؤوب لاجتثاث الهلوسة وإلزام النماذج بمسار تنبؤي محكم يفرض مقايضة حتمية يصعب الالتفاف عليها. فالقفزات غير المتوقعة التي تمنح النماذج التوليدية قدرتها على التحليل الإبداعي والتأليف اللغوي المعقد تنبع من نفس التربة الحسابية العشوائية التي تنتج الإجابات المغلوطة. وحين تبالغ المنظومات البرمجية في كبح الانحرافات لتفادي الأخطاء، فإنها تجازف بالتضحية بطاقة الابتكار التي ميزت هذه المعمارية عن البرمجيات التقليدية، لتعيدها عمليا إلى خانة النظم المحددة مسبقا.

هذه المقايضة تعيد ترتيب أولويات البناء التقني لدى المؤسسات في الخليج ومصر والشام التي تخوض سباقا سريعا لدمج الوكلاء والنماذج التوليدية في المعاملات المالية، والخدمات الحكومية، وإجراءات الامتثال التنظيمي. فالرهان الإداري الشائع على الوصول إلى نموذج توليدي خال تماما من الهلوسة بنسبة مئة بالمئة يمثل هدفا يتعارض مع طبيعة المعمارية العصبية ذاتها. وبناء على ذلك، يتطلب النجاح التشغيلي في بيئات الأعمال الإقليمية التحول من محاولات الترويض الحتمي للنموذج إلى إعادة هندسة مسار العمل: ترك العمليات الحسابية والقرارات التوثيقية الصارمة للأنظمة البرمجية التقليدية، وحصر الاستعانة بالنماذج التوليدية في المهام الاستكشافية والتحليلية مع فرض الرقابة البشرية المباشرة عليها.

فهم التاريخ يمنح الفرق التقنية وضوحا عمليا يجنبها هدر الميزانيات في ملاحقة نماذج توليدية خالية تماما من الخطأ. إن إدراك أن العشوائية كانت خيارا هندسيا مقصودا لمحاكاة العقل البشري يضع مطوري المنطقة أمام واقع صريح: النماذج العصبية لم تصمم لتكون محركات حسابية جافة، بل أدوات احتمالية تتطلب تصميما مؤسسيا يوازن بين تقبل هوامش المفاجأة الإبداعية وتحصين مسارات العمل الحساسة من تبعاتها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد