أبحاث الذكاء الاصطناعي السعودية أمام رؤية 2030: خمسة قطاعات استراتيجية بلا دراسة واحدة
تكشف دراسة ببليومترية حديثة نشرتها دورية «ديسكفر أرتيفيشال إنتلجنس» عن مفارقة هيكلية في المشهد الأكاديمي السعودي، إذ يسير الإنتاج العلمي في الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة لكنه يترك قطاعات اقتصادية بأكملها بلا تغطية بحثية تذكر. حلل فريق بحثي بقيادة زينب الهادي نقارة وأحمد حيدر وهنري حسن أيوب 75 ورقة علمية محكمة ومفهرسة في قاعدة «ويب أوف ساينس» بين عامي 2015 و2025، لتقييم مدى مواءمة الأبحاث الأكاديمية مع مستهدفات رؤية 2030. وتوصلت النتائج إلى فجوة ملموسة، حيث غابت تماما العناقيد البحثية المستقلة عن قطاعات وضعتها الاستراتيجية الوطنية في صدارة أولوياتها، وفي مقدمتها السياحة، والتعدين، وتجارة التجزئة، والخدمات اللوجستية، وإدارة الحج والزيارة.
اعتمد الباحثون منهجا بيبليومتريا ومراجعة منهجية من عشر خطوات، ورصدوا ثمانية عناقيد موضوعية تتوزع بين الجاهزية الاقتصادية، والرعاية الصحية، وإدارة المعلومات، والاستدامة، والحوكمة، والتعليم العالي، والصحة العامة، إلى جانب عنقود معزول للقطاع المصرفي. وأظهر التتبع الزمني تأخرا لافتا بين إعلان السياسات والاستجابة الأكاديمية، إذ لم تظهر الأبحاث التي تربط الذكاء الاصطناعي بالتحول الاقتصادي إلا بحلول عام 2020، بعد خمس سنوات من إطلاق الرؤية. وبينما تركزت البدايات على حوكمة الثورة الصناعية الرابعة والاستجابة للجائحة، تحولت الأبحاث لاحقا نحو معالجة البيانات الكبرى، لتصل بعد عام 2023 إلى تطبيقات تشخيص الأمراض، وإدارة الموارد المائية، وتحسين الأنظمة البيئية.
الأولويات الصحية قادت دفة الأبحاث الأكاديمية بدافع الأرقام السكانية الضاغطة، بينما تخلفت القطاعات التجارية عن الرادار العلمي. ارتبط التوجه الصحي ببرنامج تحول القطاع الصحي لمواجهة بلوغ نسبة الإصابة بالسكري 18 بالمئة من البالغين، ونمو فئة كبار السن بمعدل 3.2 بالمئة سنويا لتصل إلى ربع السكان بحلول عام 2050. كما شملت أبحاث الأزمات مراقبة المياه الجوفية والتنبؤ ببيانات الأقمار الصناعية «غريس». وفي المقابل، غابت النماذج اللغوية الكبيرة والذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة شبه تامة، رغم أهميتها الحيوية لأتمتة المعاملات الحكومية ومعالجة اللغة العربية، واقتصرت التوائم الرقمية على قطاع التشييد والبناء، ولم ينل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير سوى اهتمام هامشي يبتعد عن طموحات الحوكمة المعلنة.
خارطة التعاون البحثي قلبت التوقعات الجغرافية: شراكات وثيقة مع أستراليا وباكستان، وعزلة واضحة عن الجوار الخليجي. أظهر تحليل الاقتران الببليومتري تركز النشاط في أربع مؤسسات رئيسية تجاوزت قوتها الارتباطية حاجز 500 نقطة، بينها جامعتان باكستانيتان هما جامعة لاهور للعلوم الإدارية وجامعة البنجاب، إلى جانب جامعتي الإمام عبد الرحمن بن فيصل والأمير سلطان. وبلغت الروابط البحثية مع أستراليا 524 نقطة، ومع الهند 511، ومع باكستان 495 نقطة، بينما انخفضت مع الإمارات إلى 103 ومع الكويت إلى 40 نقطة، وهو ما عزاه الباحثون إلى تباين الأجندات الوطنية أو تفضيل النشر المحلي باللغة العربية غير المفهرس في القواعد العالمية.
حين أراجع هذه الأرقام، يتضح التباين الحاد أمام زخم البنية التحتية الذي تقوده الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف عوائد بقيمة 135 مليار دولار بحلول 2030 وتدريب ألفي متخصص، وتتصدر مؤشر تورتواز ميديا للاستراتيجيات الحكومية. كما تستثمر شركة «هيومين» بشراكة مع «إنفيديا» لتشغيل 18 ألف شريحة متقدمة لمراكز بيانات بسعة 500 ميغاوات، وتستهدف المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية جذب 30 بالمئة من الإنفاق التقني. ورغم قفز المدفوعات الرقمية في التجزئة فوق 57 بالمئة منذ 2021 وارتفاع تملك المساكن إلى 65.4 بالمئة، لم يحظ القطاع المصرفي سوى بدراستين اثنتين طوال عقد كامل.
يحمل هذا الانفصال دلالات مباشرة لمن يقود التطوير الرقمي في الخليج ومصر والمنطقة. إذا كنت تبني حلولا تقنية أو تدير فريقا هندسيا في قطاعات النقل أو التعدين أو التجزئة، فإن الرهان على شراكات أكاديمية محلية جاهزة سيواجه فراغا معرفيا حقيقيا، مما يفرض على الشركات تمويل أبحاثها التطبيقية ذاتيا أو استيراد النماذج الجاهزة بتكلفة أعلى. وفي الوقت نفسه، يفتح هذا الغياب فرصة تجارية واستشارية واعدة للفرق البرمجية ورواد الأعمال في الشام ومصر لتطوير نماذج عربية متخصصة وموجهة لخدمات اللوجستيات والمصارف الإسلامية والتراث، وهي مجالات تمتلك طلبا سوقيا خليجيا كبيرا لكنها لا تزال تنتظر من ينقلها من الفراغ النظري إلى حلول عملية قابلة للتطبيق.