تخطَّ إلى المحتوى

تركيز الحوسبة السيادية في الرياض وأبوظبي يضع وصول الأسواق الإقليمية أمام اختبار الإتاحة

شارك المقال
تركيز الحوسبة السيادية في الرياض وأبوظبي يضع وصول الأسواق الإقليمية أمام اختبار الإتاحة
الصورة: Brecht Corbeel / Unsplash

تتحرك خارطة الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية وفق ثلاث سرعات متمايزة، تكشف عن فجوة هيكلية في توزيع رؤوس الأموال والقدرات الحوسبية بين عواصم الخليج الكبرى وبقية الأسواق الإقليمية. فبينما تقود أبوظبي والرياض استثمارات مليارية لبناء سيادة تقنية وحوسبة فائقة، تواجه بيئات ريادة الأعمال في دول المشرق واقعًا مختلفًا يعتمد على نماذج تشغيل خفيفة وتمويلات بديلة. هذا التباين يضع مستقبل التحول الرقمي الإقليمي أمام سؤال محوري يتجاوز الإعلانات الرسمية: هل تتحول البنية التحتية السيادية في الخليج إلى منصات مفتوحة تخدم الشركات العربية، أم تبقى قدرات مغلقة داخل حدود الدول التي موّلتها؟

في أبوظبي، اتجه التحالف مع «أوبن إيه آي» نحو ترسيخ التطبيق المؤسسي المباشر عبر أربع اتفاقيات استراتيجية جرى توقيعها إثر لقاء جمع الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، مع سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة العالمية. وتتصدّر هذه الخطوات مبادرة «الحكومة القابلة للقراءة آليًا»، التي تقودها دائرة التمكين الحكومي لتحويل اللوائح والسياسات التنظيمية إلى صيغ برمجية تفحص المعاملات والتراخيص آليًا، مع إطلاق أول تطبيق تجريبي لدى هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية لفحص واردات الأغذية مع احتفاظ المسؤولين بسلطة القرار النهائي. وتوازى ذلك مع اتفاق «أدنوك» وشركة «إنسيبشن» التابعة لمجموعة «جي 42» مع «أوبن إيه آي» لتشغيل نماذج متقدمة عبر بنية استدلال محلية داخل الإمارات لدعم القرارات التشغيلية والاستثمارية والتجارية، إلى جانب تعاون استثماري مع «مبادلة»، واتفاق مدته خمس سنوات لنشر حلول الذكاء الاصطناعي في القطاعين الحكومي والخاص ومجال التعليم.

على الجانب الآخر، حسمت السعودية مسار توحيد الإنفاق التقني عبر دمج أكبر ميزانيتين حكوميتين في المملكة، باستحواذ «أرامكو السعودية» على حصة 49 بالمئة في شركة «هيوماين» التي أطلقها صندوق الاستثمارات العامة في مايو 2025، مقابل ضخ نقدي يقارب 2.6 مليار دولار (9.9 مليارات ريال سعودي) خلال عام 2026 إلى جانب أصول رقمية وحوسبية. هذا التحالف الاستثماري يستهدف بناء قدرات متكاملة تشمل تطوير 3 غيغاوات من سعة مراكز البيانات بحلول عام 2030، وتوفير سحب حوسبة عالية الأداء ونماذج عربية متقدمة في مقدمتها نموذج «علّام»، فضلًا عن تعزيز التطبيقات الصناعية لدى أرامكو التي سجلت 11.3 مليار دولار كقيمة تقنية متحققة منذ عام 2023. هذه الخطوة تعني عمليًا حصر تطوير البنية الحوسبية الكبرى في كيان وطني واحد قادر على تلبية الطلب المحلي والإقليمي.

في المقابل، يظهر الوجه الثالث للمشهد في دمشق عبر إغلاق شركة «بيرسنت لابس» الناشئة لتكنولوجيا الأغذية جولة تمويل بذري بتقييم يتجاوز مليون دولار، بدعم من مستثمرين ملائكيين سوريين في المغترب. الشركة، التي أسسها عام 2025 خالد الحسيني وصبحي بكري وجواد شبلي، تدير مطابخ سحابية مشتركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التشغيلية ورفع الكفاءة عبر معالجة أكثر من 10 آلاف طلب شهريًا، مستهدفة بلوغ 40 ألف طلب خلال 18 شهرًا. ويكتسب هذا النموذج دلالته من كونه يختبر قدرة الأدوات البرمجية الخفيفة على توسيع العمليات دون تضخيم النفقات الرأسمالية أو أعداد الموظفين، في بيئة اقتصادية صعبة تغيب عنها الصناديق الاستثمارية التقليدية وتعتمد بالكامل على رأس مال المغتربين.

ما الذي يتغير فعليًا لمن يقود الأعمال والتقنية في الخليج ومصر والمشرق العربي أمام هذه الخريطة المتباينة؟ في دول الخليج، تفرض شراكات أبوظبي والرياض واقعًا جديدًا على الشركات الموردة وصناع البرمجيات؛ إذ يتحول تشغيل الاستدلال داخل الحدود والامتثال التنظيمي الآلي إلى معيار إلزامي للمنافسة على العقود الحكومية وعقود الطاقة، ما يضيق الخيارات أمام الحلول السحابية الخارجية. أما في مصر وبلاد الشام، فإن فرق التطوير والشركات الناشئة لا تملك ترف انتظار مراكز بيانات محلية فائقة القدرة، ما يفرض عليها توجيه مواردها نحو بناء خدمات متخصصة وتطبيقات كفاءة تشغيلية يمكن ربطها لاحقًا بالبنى التحتية الخليجية المستأجرة، أو الاستفادة من قنوات التمويل الملائكي للمغتربين.

الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في مدى مرونة البنى التحتية السيادية وقابليتها للتحول إلى منصات إقليمية متاحة للجميع. فإذا ظلت السعات الحوسبية الهائلة في الرياض ومشاريع الحوكمة الآلية في أبوظبي حكرًا على المؤسسات الوطنية الكبرى، فإن الفجوة الرقمية ستتسع بين عواصم الفائض المالي والأسواق المجاورة؛ أما إذا أتيحت كخدمات قابلة للوصول بتكلفة تنافسية، فإنها ستمنح رواد الأعمال في القاهرة وبيروت وعمان ودمشق قاعدة حوسبة إقليمية متطورة تغنيهم عن الاعتماد الكامل على المنصات العالمية البعيدة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد