مختبرات وادي السيليكون تستعين بالأديان لضبط أخلاق النماذج: رهان تقني يصطدم بتناقض المرجعيات
تبحث شركات الذكاء الاصطناعي عن مرجعية أخلاقية تلقنها لروبوتات الدردشة، لكن الإجابة لم تأت هذه المرة من مختبرات الحوسبة ولا من خوارزميات التدقيق الرياضي، بل من أروقة المؤسسات الدينية. فمع تصاعد التحذيرات من القدرات التدميرية للنماذج اللغوية، توجه قادة التقنية في وادي السيليكون نحو علماء اللاهوت والفلاسفة لاستخلاص قواعد تفرق بين الصواب والخطأ، في محاولة لصياغة ما يراه البعض ضميرا برمجيا للآلات.
هذا التوجه نحو الدين ظهر بوضوح في تحركات كبرى الشركات؛ ففي الفاتيكان، شارك كريس أولاه، الشريك المؤسس لشركة «أنثروبيك»، في تقديم الرسالة العامة للبابا ليو الرابع عشر حول الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن الأسئلة الأخلاقية المطروحة ليست مما تستطيع المختبرات الإجابة عنه وحدها، بل حملتها التقاليد الدينية لآلاف السنين. وفي المقابل، عبر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، عن رؤية موازية حين صرح بأن المطلوب من «شات جي بي تي» هو عكس المتوسط المرجح للرؤية الأخلاقية للبشرية جمعاء، وكأن القيم الإنسانية قابلة للاحتساب كمعادلة إحصائية جامعة.
لكن هذا التصور التقني يصطدم باعتراضات جوهرية من باحثي الإنسانيات. يشير ويب كين، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ميشيغان، إلى أن النظر للدين ككتيب قواعد مجردة يمكن استخلاصه بمعزل عن الممارسات الحياتية والتعقيدات الثقافية يمثل فهما قاصرا؛ فتجريد المبادئ الأخلاقية لتدريب الخوارزميات ينطوي على مخاطرة حقيقية تتمثل في ترجيح تقاليد معينة، لا سيما الديانات الإبراهيمية التي ترتكز على نصوص وتشريعات محددة، وتهميش ديانات وتقاليد أخرى لا ترى في نفسها بالأساس أنظمة أخلاقية مقننة. وتدعم الباحثة توموكو ماسوزاوا هذا الطرح بالتذكير بأن تصنيف الأديان كأنظمة منفصلة وقابلة للمقارنة هو مفهوم غربي حديث نشأ في القرن التاسع عشر ولم يكن انعكاسا للواقع الأصيل لتلك التقاليد.
تجاوزت المشاورات الدائرة اللقاءات البروتوكولية العابرة لتتحول إلى ورش عمل منتظمة؛ إذ كشفت «أنثروبيك» عن عقد جلسات مع علماء ورجال دين وفلاسفة من أكثر من 15 جماعة دينية وثقافية. وتروي ميغان سوليفان، أستاذة فلسفة الدين بجامعة نوتردام، تفاصيل حضورها لتلك النقاشات التي شملت ممثلين لمذاهب متعددة؛ حيث يبسط مهندسو الشركة عمل النماذج في الجزء الأول، بينما يخصص الجزء الثاني لمناقشة أسئلة وجودية وأخلاقية شائكة، تبدأ من التساؤل عما إذا كان للبشر أرواح، وتصل إلى الحدود المشروعة لاستخدام طلاب المدارس الابتدائية لروبوتات الدردشة في تعليم القراءة والكتابة. كما عقدت شركات مثل «ميتا» و«جوجل» و«أمازون» لقاءات مع الفاتيكان، بينما وسعت «مايكروسوفت» قنوات تواصلها مع الهيئات الدينية.
غير أن الآلية الهيكلية لعمل النماذج التوليدية تثير معضلة لا يحلها جمع الآراء. فالنماذج اللغوية الكبيرة تعتمد على التنبؤ الإحصائي بالكلمة التالية استنادا إلى كميات هائلة من النصوص. ويحذر باولو كاروزا، عضو مجلس الرقابة المستقل في شركة «ميتا» والأكاديمي المتخصص في الفكر الاجتماعي الكاثوليكي، من أن سعي الشركات إلى تجميع كل شيء في بوتقة واحدة يؤدي إلى تسطيح التقاليد الحية وطمس خصوصياتها لصالح متوسط هجين يميل غالبا نحو المنظور الغربي. فالتقاليد الإنسانية تتفاعل وتنمو عبر التاريخ بطريقة عضوية واعية، بينما تقوم خوارزميات التوليد بدمج ميكانيكي عشوائي يفقد النصوص سياقها ومعناها العميق.
هذا النقاش لا يقف عند حدود النظريات الأكاديمية في الغرب، بل يلامس مباشرة ما تبنيه المؤسسات في الخليج ومصر والمشرق العربي. فعندما تعتمد المصارف الإقليمية، أو وزارات التعليم، أو المنصات الحكومية على نماذج لغوية مستوردة جرى ضبط بوصلتها الأخلاقية عبر متوسط غربي مرجح، فإن هذه المؤسسات تستورد ضمنا تحيزات ثقافية وتشريعية تتنكر في زي الحياد التقني. القرار المطروح اليوم أمام مهندسي البيانات وصناع السياسات التقنية في المنطقة يتجاوز كفاءة الاستدلال وسرعة المعالجة ليمتد إلى ضرورة فحص القيم المضمنة داخل مخرجات هذه النماذج؛ فالاعتماد على استخلاصات شركات كاليفورنيا الأخلاقية يفرض كلفة غير مرئية تتعلق بالسيادة الثقافية، ويجعل من بناء نماذج محلية ذات مرجعيات قيمية صريحة ضرورة تشغيلية وتنظيمية لحماية بيئات العمل والتعليم العربية من معايير هجينة فُرضت عليها عبر خوارزميات التنبؤ.