خريجو القيادة في «معهد ماساتشوستس»: سبعون بالمئة من مهارات الذكاء تصنعها شبكات النظراء
تكشف تجربة القيادات التنفيذية في معهد ماساتشوستس للتقنية عن معادلة غير مألوفة في برامج التطوير المهني المتقدمة. عندما التحقت برابها جا، المسؤولة التنفيذية في شركة الاتصالات الأمريكية فيرايزون، ببرنامج «الذكاء الاصطناعي لكبار التنفيذيين» التابع لمنصة «إم آي تي إكس برو»، أظهرت مسيرتها أن المحاضرات الأكاديمية لا تشكل سوى حصة ضئيلة من الفائدة العملية. وجدت جا، الحاصلة على بكالوريوس تقنية المعلومات من جامعة كلكتا وماجستير إدارة الأعمال، أن القيمة التشغيلية الحقيقية انبثقت من الاحتكاك المباشر مع شبكة النظراء داخل الحرم الجامعي.
فرضت الأقدار تحولًا مفاجئًا في مسار جا التعليمي، إذ أدخلتها عدوى حادة إلى المستشفى لمدة أسبوعين قبل شهرين فقط من موعد تخرجها، مما منعها من إتمام البرنامج مع دفعتها الأصلية. قادها هذا العارض الصحي، بتنسيق مع إدارة المعهد، إلى الانضمام للدفعة اللاحقة وقضاء خمسة أيام مكثفة في مقر المعهد مع مئة زميل تنفيذي جديد، لتكتشف أن محتوى البرنامج نفسه خضع للتحديث خلال ستة أشهر فقط. تخلص جا في تقييمها للتجربة إلى أن ثلاثين بالمئة فقط من المعرفة المكتسبة جاءت من المناهج ومحاضرات الأساتذة، بينما تدفقت سبعون بالمئة من التفاعل المباشر مع النظراء وخبراتهم المتنوعة.
تبلورت نقطة التحول في فهم القيادة للتقنية خلال جلسة نقاشية غير رسمية في منزل البروفيسور مانوليس كيليس، الأستاذ في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب بالمعهد. استمعت جا هناك إلى تجربة أحد زملائها التنفيذيين الذي يقوده دافع شخصي للبحث عن حلول برمجية تسهم في علاج والدته المصابة بمرض ألزهايمر والخرف، لتدرك أن قرارات الأتمتة تتجاوز كفاءة التشغيل المجردة. أثمرت تلك اللقاءات بعد عام كامل عن إصدار كتاب مشترك حمل عنوان «مختارات الذكاء الاصطناعي»، شاركت في كتابته جا مع عشرين قائدًا تنفيذيًا من خريجي البرنامج لتوثيق أثر الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات والمجتمعات.
انعكست المهارات والعلاقات الجديدة مباشرة على بيئة العمل داخل فيرايزون، حيث طورت جا حلولًا برمجية تدعم البنية التحتية الحيوية التي تعتمد عليها فرق الاستجابة للطوارئ والمستفيدون من الخدمات الأساسية. ساعدت هذه الأدوات جا على تسريع وتيرة الإنجاز المؤسسي عبر فرق عمل مدمجة، بعدما كانت المشروعات السابقة تتطلب الاستعانة بفرق أكبر حجمًا. توجه جا نقدًا مباشرًا للنموذج السائد في إدارة الأعمال، معتبرة أن الشركات تقع في فخ القياس التقليدي حين تحصر نجاح الذكاء الاصطناعي في خفض النفقات وسرعة تقليص الساعات وتحويلها إلى مبالغ مالية، متجاهلة تحسين جودة الحياة وتطوير نماذج العمل.
تفرض هذه المعادلة مراجعة صريحة للخطط التنفيذية في أسواق الخليج ومصر والشام، حيث تتسابق المؤسسات المصرفية والجهات الحكومية على حجز مقاعد تدريبية عالية الكلفة لكبار مديريها. يوضح هذا التقييم أن إرسال القيادات إلى برامج رقمية معزولة لا يضمن نقل الخبرة الميدانية إذا غابت بيئات النقاش المشتركة التي تجمع قادة قطاعات مختلفة لتبادل التحديات التشغيلية. كما يتغير هنا مقياس العائد على الاستثمار للمدير الإقليمي؛ فالتركيز المحض على تقليص الوظائف وخفض التكاليف الفورية يفوّت فرصة تسريع الإنتاج عبر تمكين الفرق القائمة وبناء خدمات حيوية مرنة وموثوقة.
تتجه جا حاليًا إلى قيادة مبادرة جديدة موجهة نحو الشركات الصغيرة والمتوسطة، لمساعدتها على فهم احتياجاتها البرمجية الفعلية ودمج الذكاء الاصطناعي في نماذجها التشغيلية الخاصة دون الغرق في المقاييس المضللة. تظهر هذه التجربة لمسؤولي التحول الرقمي أن تبني التقنية لم يعد رهانًا برمجيًا منعزلًا، بل عملية بناء مؤسسي تتطلب شبكات مهنية حية، وأدوات موجهة بدقة نحو القيمة الحقيقية للأعمال.