سجلات غيت هاب تفضح فخ الوكلاء: رخص كتابة الأكواد يضاعف استنزاف مديري التقنية
كان الوعد المعلن لأدوات الذكاء الاصطناعي واضحا في بساطته: التخلص من كتابة الأكواد النمطية، وتفويض المهام الروتينية، والعودة إلى المنزل في وقت أبكر. غير أن تتبع النشاط الهندسي الميداني يقدم رواية مغايرة تماما لما تروج له المنصات. فعندما فحصنا سجلات مساهمات أوريستيس يوانو، نائب رئيس التكنولوجيا في منصة «Bold.org»، عبر منصة «غيت هاب» في ستة أعوام ممتدة من يناير 2019 وحتى أواخر عام 2026، كشفت الأرقام واقعا غير متوقع: وتيرة عمله اليوم تفوق أي مرحلة سابقة، وبحمل ذهني أثقل مما اعتاده حين كان مبرمجا متفرغا في بداية مسيرته.
تظهر البيانات المسجلة تحولا هيكليا في منحنى الإنتاج. فخلال عمله مهندسا رئيسيا بين أغسطس 2022 ويوليو 2025، استقر معدل مساهماته الشهرية عند 114 مساهمة، مسجلا أدنى مستوياته السنوية في عام 2023 بإجمالي 1189 مساهمة، بعدما انتقل ثقل دوره الوظيفي نحو التخطيط وبناء المعمارية التقنية بدلا من كتابة الأكواد المباشرة. واستمر هذا النمط الهادئ مع ترقيته نائبا لرئيس التكنولوجيا في أغسطس 2025، بمعدل 111 مساهمة شهريا وقاع بلغ 50 مساهمة في ديسمبر. لكن دخول الوكلاء الأذكياء إلى صلب عمله اليومي مع مطلع 2026 قلب المنحنى؛ إذ سجل حتى 27 أكتوبر 2102 مساهمة، متجاوزا إجمالي مساهمات أي عام كامل بين 2021 و2025، وقافزا في أغسطس 2026 وحده إلى 427 مساهمة، وهو الرقم الشهري الأعلى في كامل تاريخه المهني مقارنة بذرورته السابقة البالغة 319 مساهمة في أبريل 2020.
تنشأ الصعوبة هنا من غياب الاحتكاك الطبيعي الذي كان يضبط تدفق الأفكار، لا من تعقيد المهمة البرمجية الواحدة. فعندما أصبحت كتابة الكود البرمجي شبه مجانية بفضل النماذج، وجد يوانو نفسه يشغل عدة وكلاء في وقت متزامن: وكيل ينفذ تعديلا برمجيا، وآخر يفحص مسألة في بيئة التشغيل، وثالث يراجع التعديلات، ورابع يجمع أبحاثا لمشروع لاحق. ورغم أن أيا من هؤلاء الوكلاء لا يتطلب تدخلا مستمرا، إلا أن كل واحد منهم يعود دوريا بطلب موافقة على خطة، أو مراجعة فارق أسطر برمجية، أو تفسير لنتيجة فحص. هذه العودة المتقطعة تفرض تنقلا ذهنيا متواصلا بين مستودعات برمجية مختلفة وسياقات تقنية متعددة، مما يستنزف الطاقة الإدراكية بسرعة؛ فقدرة النماذج على التوليد نمت أسرع بكثير من قدرة العقل البشري على المراجعة والتفكير في عواقب الكود.
يولد هذا التدفق دورات متكررة من الحماس يعقبها استنزاف حاد. فالسجلات تكشف ثلاث موجات صعود وهبوط خلال عام 2026، بدأت في يناير وفبراير بـ 277 و233 مساهمة مع تجربة الوكلاء وتفويض المهام، ثم هدأت تدريجيا لتبلغ قاعها في يونيو عند 77 مساهمة مع تراكم الإرهاق الذهني، قبل أن تنفجر في أغسطس بـ 427 مساهمة بعد إجازة الصيف حيث تراوحت المساهمات بين 14 و43 يوميا. النمط يتكرر بدقة: نموذج أحدث أو مسار عمل جديد يفتح آفاقا جديدة، وبما أن التنفيذ رخيص يطلق المهندس عشرات التجارب دفعة واحدة، حتى تتراكم طلبات المراجعة وتفرض تراجعا إجباريا وشعورا بالسأم من أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها.
يحمل هذا التحول دلالة عملية مباشرة للمسؤولين التقنيين وفرق البرمجة في الخليج ومصر والشام؛ حيث تتسابق الشركات والمصارف والمؤسسات الناشئة لفرض استخدام وكلاء البرمجة بافتراض أنهم سيقلصون ساعات العمل أو حجم الفرق الهندسية. الواقع الميداني يثبت أن خفض تكلفة توليد الكود ينقل عنق الزجاجة مباشرة إلى مرحلة التدقيق المعماري والتحقق البشري دون إلغائه. ففي مراكز التقنية الإقليمية في الرياض ودبي والقاهرة وعمان، يهدد هذا النمط بتحويل كبار المهندسين ومديري التقنية من قادة استراتيجيين إلى مراجعي مسودات منهكين أمام تدفق لا ينتهي من مخرجات الوكلاء.
لم تعد المهارة الأكثر قيمة في بيئات البرمجة الحديثة محصورة في تشغيل المزيد من الوكلاء، بل في امتلاك الجرأة على الامتناع عما لا يلزم بناؤه. وإذا كنت تقود فريقا تقنيا في المنطقة، فإن حماية تركيزك وطاقة مهندسيك تتطلب فرض قيود واعية على ما يُسمح ببنائه، بدلا من قياس الإنجاز بعدد المساهمات البرمجية التي تفيض بها خوادمك دون أن تضيف قيمة حقيقية للعمل.