تخطَّ إلى المحتوى

سباق الذكاء الاصطناعي المادي: فجوة التبني التجاري تهدد بهجرة ابتكارات الأسواق المتسارعة

شارك المقال
سباق الذكاء الاصطناعي المادي: فجوة التبني التجاري تهدد بهجرة ابتكارات الأسواق المتسارعة
الصورة: Martin Geiger / Unsplash

ظل الجدل التقني محصورًا لسنوات في حدود الشاشات، بين روبوتات محادثة تعالج النصوص ومساعدات برمجية تقترح الأكواد، غير أن المنافسة الكبرى بدأت تنتقل عمليًا إلى الميدان الفيزيائي. تكشف بيانات تقرير «اتجاهات الشركات الناشئة العالمية» الصادر عن «أمازون ويب سيرفيسز»، بعد مسح شمل 4420 شركة تقنية ناشئة في عشرين دولة، أن 15 في المائة من تلك الشركات، أي نحو 663 شركة، تطور اليوم تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي». وتستهدف هذه المنظومات تمكين الآلات والروبوتات من إدراك محيطها الواقعي، واتخاذ القرارات، والتصرف باستقلالية داخل بيئات العمل الحقيقية، بعيدًا عن الاقتصار على معالجة البيانات النصية أو توليد الصور.

يصنف التقرير السعودية ضمن كتلة «الأسواق المتسارعة» إلى جانب فرنسا وسنغافورة والهند وكندا وأستراليا والمكسيك، وهي بيئات تنتج شركات ناشطة في هذا الحقل دون أن يقدم التقرير ترتيبًا رقميًا منفصلًا للمملكة أو نسبة حصرية لشركاتها. لكن المفارقة التي رصدناها في ثنايا الأرقام لا تنبع من عجز هندسي عن تصميم الآلات، وإنما تصطدم بجدار التبني التجاري البطيء؛ إذ لم تتجاوز نسبة الشركات التي ترى اقتصاداتها المحلية مستعدة لنشر هذه التقنيات 26 في المائة فقط، بينما أفاد 70 في المائة من المطورين بأن بطء إقبال العملاء يمثل العقبة الأساسية التي تقيد نمو أعمالهم. المعضلة التشغيلية لم تعد في صناعة الروبوت، بل في استعداد السوق لاستقباله.

يحمل هذا التباين تحذيرًا استراتيجيًا للأسواق المتسارعة: الشركات الواعدة قد تنجح في بناء منتجات متقدمة، لكنها ستضطر إلى نقل مقراتها ووظائفها وعوائدها الضريبية إلى بلدان أخرى إذا عجز الطلب المحلي عن استيعاب حلولها. وتتصدر قطاعات التصنيع والسيارات قائمة الميادين الأكثر ترجيحًا للتحول السريع بنسبة 55 في المائة، تليها الخدمات اللوجستية والتخزين والتجزئة بنسبة 52 في المائة، ثم الرعاية الصحية بنسبة 36 في المائة، والطاقة والبنية التحتية بنسبة 30 في المائة. ويؤكد الواقع الميداني أن نصف الشركات تقريبًا، بواقع 51 في المائة في التصنيع و47 في المائة في اللوجستيات، وصلت بالفعل إلى مرحلة التطبيق التجاري، عبر أذرع روبوتية لخطوط التجميع والفحص الآلي، ورافعات شوكية ذاتية القيادة، وأنظمة ذكية لفرز الشحنات وإعادة تعبئة المخازن.

خلافًا للبرمجيات السحابية الخالصة، يفرض الذكاء المادي استثمارات رأسمالية مضاعفة وسلاسل إمداد شديدة الحساسية؛ فاختبار الآلات في العالم الحقيقي يتطلب تصنيع نماذج مادية مكلفة، وهو ما يفسر أن 46 في المائة فقط من الشركات تستطيع تأمين التمويل الكافي، بينما ترى 40 في المائة فقط أن الأطر التنظيمية واضحة بما يكفي. وتزداد الضغوط مع إفادة 48 في المائة من الشركات بأن الرسوم الجمركية والحواجز التجارية تقيد وصولها إلى المكونات الأساسية، في حين تعتمد 20 في المائة منها على الصين كمصدر خارجي رئيسي لعتادها. ورغم اعتماد 72 في المائة من الشركات على السحابة و62 في المائة على المحاكاة الرقمية لخفض تكاليف الاختبار، فإن 56 في المائة منها تؤكد أن محدودية القدرات الحاسوبية تبطئ تطوير أعمالها.

ينعكس هذا التحول بصورة مباشرة على سوق العمل؛ فرغم توقع 70 في المائة من الشركات أن تولد التقنية وظائف تفوق ما تلغيه، وتخطيط 86 في المائة لزيادة موظفيها خلال عامين، فإن 59 في المائة من تلك الوظائف تتركز في تخصصات هندسية وفنية دقيقة. تخلق الأتمتة المادية مسارات عمل جديدة، لكنها تفرض في الوقت ذاته شروطًا قاسية على نوعية المهارة المطلوبة. وتواجه 48 في المائة من الشركات صعوبة في استقطاب مهندسي الروبوتات والميكاترونكس، و40 في المائة في مهندسي الإلكترونيات، بينما يتوزع الطلب الأكبر على فنيي الصيانة والإصلاح بنسبة 52 في المائة، ومشغلي الروبوتات بنسبة 50 في المائة، واختصاصيي تكامل الأنظمة بنسبة 48 في المائة.

ما الذي يعنيه هذا لمن يدير عمليات لوجستية أو منشأة تصنيع أو شبكة توزيع في الخليج ومصر والمنطقة؟ الفجوة القائمة اليوم تنظيمية وتشغيلية في المقام الأول. وإذا كنت تقود منشأة صناعية، فإن الاكتفاء بشراء معدات مستقلة جاهزة دون تأهيل كوادر داخلية قادرة على الصيانة وربط الأنظمة سيضع أعمالك تحت رحمة تكاليف تشغيل خارجية وسلاسل إمداد معقدة. وتحقيق الجدوى الاقتصادية يتطلب الأخذ بالمسارات الأربعة التي حددها التقرير: بدء مشروعات تجريبية حية لاختبار الكفاءة في الميدان، وإعادة تأهيل الكوادر الفنية على تكامل المعدات، والاستفادة من البيئات التنظيمية التجريبية، إلى جانب توجيه المشتريات الحكومية لتوفير طلب مبكر يحفز القطاع الخاص ويثبت أقدام المبتكرين محليًا.

تتوقع 76 في المائة من الشركات المشاركة أن تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي المادي شائعة في قطاعاتها خلال خمس سنوات. والمنافسة الحقيقية في منطقتنا لن تقاس بعدد النماذج الرقمية المستوردة، بل بمدى جاهزية المصانع والمستودعات لاستيعاب الآلات الذكية على أرض الواقع وتحويلها إلى قيمة إنتاجية دائمة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد