تخطَّ إلى المحتوى

مئتا عسكري أمريكي وغرفة استخبارات مشتركة: واشنطن تدعم الرياض بخوارزميات الاستهداف في حرب اليمن

شارك المقال
مئتا عسكري أمريكي وغرفة استخبارات مشتركة: واشنطن تدعم الرياض بخوارزميات الاستهداف في حرب اليمن
الصورة: Joel Rivera-Camacho / Unsplash

في غرف القيادة والسيطرة المشتركة، لا يُقاس التفوق العسكري اليوم بحجم القذائف بقدر ما يُحسم بسرعة معالجة الصورة الاستخباراتية قبل أن تغادر منصة الإطلاق موقعها الجبلي. مع تجدد التوتر العسكري على الحدود الجنوبية للسعودية وتصعيد جماعة الحوثي هجماتها على المطارات والمنشآت النفطية في سبتمبر، اختارت واشنطن إسناد الرياض عبر مسار رقمي متقدم. فبعد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيار التدخل العسكري المباشر بطلب من القيادة السعودية، أرسلت وزارة الدفاع الأمريكية ما بين مائة ومائتي عسكري ضمن قيادة قوات مشتركة جديدة، هدفها تزويد ضباط الجيش السعودي بأداة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد مسرح العمليات لحظة بلحظة.

تستند هذه التقنية إلى بنية مشابهة لنظام مافن الذكي الذي طوره البنتاغون في مشروع بدأ عام 2017، واستُخدم ميدانيًا لضرب أهداف في إيران والعراق وسوريا. المنصة، التي وصفها مدير المنتجات السابق في غوغل بيلاوال سيدهو بأنها شبيهة ببرنامج غوغل إيرث للحرب، تقوم بمهمة كانت شبه مستحيلة على المحللين البشريين: جمع وتصنيف وتدفق البيانات البصرية الواردة من مئات الأقمار الاصطناعية المباشرة وكاميرات الطائرات المسيرة، ثم رصد الأنماط الشاذة وتحديد راجمات الصواريخ والدبابات وقوافل المركبات المشبوهة بدقة، مع حساب أفضل زاوية لتنفيذ الضربة. هذا الدمج الخوارزمي يختصر ما يعرف في العقيدة العسكرية بسلسلة القتل، وهي المدة الفاصلة بين رصد التهديد وإصدار أمر القصف. وقد تجلى ذلك بوضوح في الهجوم الأمريكي على إيران أواخر فبراير، حيث رفعت المنصة قدرة المعالجة من نحو مائة هدف يوميًا إلى تسهيل ضرب أكثر من ألف هدف خلال أول أربع وعشرين ساعة.

لكن الجغرافيا الوعرة في اليمن تفرض معادلة تختلف جذريًا عن ساحات الحروب التقليدية. فالمقاتلون الحوثيون يعتمدون أسلوب الحركة الخاطفة عبر شاحنات تنقل منصات الصواريخ الباليستية وتطلق أسراب المسيرات الصغيرة من بين التلال والوديان العميقة، وغالبًا ما يخلون مواقعهم قبل أن تنتهي الأداة الذكية من إرسال إحداثياتها. يضاف إلى ذلك أن خوارزميات النظام، المصممة للعمل بكفاءة في البيئات المفتوحة وقليلة السكان، تصطدم بعوامل بيئية تقلل من دقتها مثل العواصف الغبارية في الصحراء، والرياح الشديدة، والتمويه المتعمد، وتغيرات التضاريس. وتتعقد هذه المعضلة العسكرية مع طبيعة الخصم الأيديولوجية؛ إذ يشير فارع المسلمي، الباحث في معهد تشاثام هاوس، إلى أن الجماعة تتبنى نهجًا صفريًا يرى في المعاناة والفقر ابتلاءً عقائديًا، مما يجعلها تبدي قدرة استثنائية على امتصاص الدمار المادي والبقاء في الميدان.

تتجاوز المشكلة حدود الكفاءة التكتيكية لتصطدم بكلفة إنسانية وأخلاقية باهظة ناجمة عن تسريع قرارات الاستهداف. ورغم أن البروتوكول العسكري يفترض وجود مراجعة بشرية للتحقق من كل هدف تقترحه الخوارزمية، فإن ضغط الوقت غالبًا ما يدفع إلى إسقاط هوامش الأمان، وهو ما وثقه استهداف مدرسة ابتدائية جنوب إيران في اليوم الأول من العمليات بنظام مافن، مما أسفر عن مقتل قرابة مائتي شخص معظمهم أطفال بين سن السابعة والثانية عشرة. وتتشابه هذه المخاوف مع ما شهده قطاع غزة عبر نظام حبصورة الإسرائيلي، حيث يشير الباحثان فريدريك ويري وأندرو بوني في تحليلهما، إلى جانب الكاتب أنتوني لوينشتاين، إلى أن خفض معايير التحقق البشري يزيد من الضحايا المدنيين دون أن يحقق حسمًا عسكريًا حقيقيًا أمام الفصائل المسلحة.

يضع هذا التحول قادة العمليات ومسؤولي التخطيط الدفاعي في منطقة الخليج أمام حقيقة مفادها أن التفوق التقني لا يعوض القصور في الفهم الميداني والسياسي. إن التحول نحو أتمتة مسرح العمليات ينقل الثقل الاستراتيجي من شراء أنظمة الاعتراض الصاروخي التقليدية إلى ضرورة بناء بنية سيادية متكاملة لجمع وتحليل البيانات الاستخباراتية محليًا. لا يمكن للجيوش العربية الاكتفاء باستيراد خوارزميات أجنبية مصممة وفق بيئات مختلفة، بل تبرز الحاجة الملحة إلى تأهيل كوادر وطنية قادرة على تدقيق المخرجات الرقمية وامتلاك حق النقض البشري الصارم قبل الضغط على الزناد، لتجنب كوارث الاستهداف غير الدقيق وتفادي الانزلاق إلى سباق تسلح خوارزمي يرفع كلفة الحرب ولا يحسم نتيجتها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد