«نموذج بأربعة مليارات معامل يتفوق على مخططات بوستغريس: التعلم التعزيزي يكسر معضلة ترتيب الاستعلامات»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
طرح باحثو علوم الحاسوب تساؤلا جوهريا منذ عام 2015 حول الكفاءة الحقيقية لمحركات تحسين الاستعلامات في قواعد البيانات، ليعود الفريق ذاته بعد عقد كامل مؤكدا أن المحركات التقليدية ما تزال عاجزة عن تقديم الأداء الأمثل. تكشف تجربة هندسية حديثة أجراها الباحث روهان بانسال أن نماذج اللغة الصغيرة مفتوحة الأوزان قادرة على تجاوز هذا العجز التاريخي، بعدما نجح في تدريب نموذج بحجم أربعة مليارات معامل من عائلة «Qwen» عبر الضبط الدقيق والتعلم التعزيزي، ليحقق خفضا في زمن استجابة الاستعلامات بنسبة 44.7 في المئة عبر 113 استعلاما معقدا، متفوقا بوضوح على المخططات الافتراضية لمحرك «Postgres».
تكمن الصعوبة الهندسية في محركات قواعد البيانات داخل مسألة ترتيب عمليات الربط بين الجداول، وهي معضلة تصنف رياضيا ضمن المسائل غير قطعية الحدود ذات الصعوبة المركبة. يواجه محرك الاستعلام انفجارا توافقيا هائلا بمجرد إضافة جداول جديدة إلى الجملة البرمجية، فبينما يمتلك استعلام يربط جدولين 96 مسارا محتملا للتنفيذ، يقفز الرقم إلى 4608 مسارات عند دمج ثلاثة جداول، ويتجاوز 442 ألف مسار لأربعة جداول، وصولا إلى أكثر من 532 مليار مسار تنفيذي عند التعامل مع سبعة جداول فقط. تتشعب هذه الخيارات بين تحديد أسبقية الربط في شجرة التنفيذ، وتوجيه الجداول الداخلية والخارجية، وانتقاء خوارزمية الدمج بين الهاش والحلقات المتداخلة، بجانب تنويعات المسح التسلسلي أو الفهرسي. ورغم اعتماد «Postgres» على البرمجة الديناميكية والخوارزميات الجينية لتقليص فضاء البحث، فإن افتراضات التوزيع المتجانس تسقط أمام محددات التصفية الفعلية، ما يضاعف حجم البيانات المعالجة أربع مرات دون مبرر.
التحقق من كفاءة خطة الاستعلام مسألة قياس مباشرة، بينما يمثل البحث عن الخطة المثلى داخل فضاء احتمالي واسع العبء الحسابي الأكبر. استند بانسال إلى هذه المفارقة لتدريب نموذج لغوي يبرع في المهام ذات المخرجات سهلة التحقق وفق محور وحيد هو زمن التنفيذ الفعلي. بدأت التجربة بعملية تقطير سلوكي عبر خمسمئة مسار تدريبي من وكلاء «GPT-6 Astra»، تبعها ضبط دقيق للنموذج الذي عجز في نسخته الأولية عن إنتاج خطة مقبولة لـ 99 استعلاما من أصل 113. تولت المنظومة بعد ذلك تدريب النموذج عبر خوارزمية التعلم التعزيزي للسياسة النسبية المجمعة (GRPO)، حيث توزعت المهام بين خادم سحابي مستأجر يحمل معالجي «H100» لإدارة التدريب والاستدلال، وأربع حاويات «Postgres» محلية لقياس الأداء مع عزل تداخلات ذاكرة التخزين المؤقت في نظام لينكس.
اعتمدت دورة التعلم على توليد أربع محاولات استكشافية لكل استعلام، حيث يقترح النموذج استراتيجية تنفيذ في كل جولة وتُرسل إلى المحرك لقياس زمنها مقابل المخطط الافتراضي، ثم تُترجم فروق الأداء إلى مكافآت عددية تعدل أوزان النموذج نحو الخطط الأسرع. أفرزت هذه التجربة خططا تفوقت على سرعة المحرك التقليدي بنسب بلغت 81 في المئة في استعلامات معينة، ليتصرف النموذج كمرشد استدلالي متخصص يتجاوز القصور الإحصائي داخل قواعد البيانات العلائقية.
تضع هذه التجربة الفرق الهندسية في المنطقة أمام مقاربة جديدة لإدارة كفاءة البنية التحتية للبيانات. تعتمد المنصات المصرفية وشركات التقنية المالية في الخليج، ومشاريع التجارة واللوجستيات في مصر والشام، على قواعد بيانات «Postgres» ضخمة تستهلك استعلاماتها المعقدة موارد الحوسبة، مما يدفع المؤسسات عادة إلى الترقية المكلفة في عتاد الخوادم أو اللجوء إلى تقسيم البيانات المعقد. إن تشغيل نماذج متخصصة بحجم أربعة مليارات معامل محليا يتيح تسريع الاستعلامات التحليلية الحساسة دون إخراج مخططات الجداول أو البيانات إلى منصات خارجية، التزاما بمتطلبات السيادة البيانية. يتطلب هذا المسار من مسؤولي البنية التحتية تطوير مهارات فرقهم من كتابة الفهارس اليدوية إلى بناء بيئات قياس معزولة وتوظيف أطر التعلم التعزيزي لتحسين الأنظمة التشغيلية بصورة حتمية.