حوسبة أنوال النسيج في الهند تشعل نزاع الملكية الفكرية على التراث المشترك
لاحظ الأستاذ المساعد في تكنولوجيا الحاسوب بيتوبان ديكا، خلال تسوقه مع والدته لشراء وشاح «غاموسا» التقليدي في ولاية ميغالايا الهندية، تكرار النقوش ذاتها في كل متجر يعرض السلعة، ليتبيّن له عبر استقصاء دقيق أن نسّاجي مقاطعة سوالكوشي في ولاية أسام المجاورة يتقاضون مبلغًا مقطوعًا لا يتجاوز ألفي روبية، أي نحو 21 دولارًا، عن التصميم الواحد دون أي عوائد ملكية لاحقة، ما دفع المصانع لحصر خيارات الإنتاج خفضًا للنفقات. هذه الواقعة دفعت ديكا في جامعة إم آي تي بمدينة شيلونغ إلى بناء نظام ذكاء اصطناعي يولّد تشكيلات لا نهائية من الزخارف، متقدمًا بطلب براءة اختراع عبر قسم الأبحاث بالجامعة لتحويله إلى خدمة تصميم تجارية لمصانع النسيج، تحت مبرر توفير التنوع للمستهلكين وتمكين الحرفيين بأدوات حديثة.
هذا التحول فتح الباب أمام مفارقة بنيوية تتجاوز حدود التجربة الفردية؛ فالأدوات المصممة لحفظ الحرف تجعل لغتها البصرية أسهل في الاستنساخ الرقمي بمعزل عن صانعيها الأصليين. يتجلى ذلك في قاعدة بيانات «ريخ سانغانيري» التي طورها الباحث ريدي ساي نيفاس للأقمشة المطبوعة بالقوالب الخشبية في ولاية راجستان، متضمنة صورًا عالية الدقة توثق حتى مسامية الحبر والعيوب الطفيفة التي تميز العمل اليدوي وتثبت أصالة الصنعة. وفي فبراير 2026، استعرضت شركة «تاتا كونسلتنسي سيرفيسز» خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي نظام «بريدجيتال لوم»، الذي يترجم التصاميم المعقدة إلى تعليمات تشغيلية توجه نسّاجي الأنوال اليدوية عبر أضواء إرشادية في بلدة كانتشيبورام، ما يقلص زمن إتقان الحرفة من خمسة عشر عامًا إلى فترة وجيزة، لكنه يجرد المعلم الحرفي من احتكار المعرفة ويسلم ذاكرة النقوش إلى الخوارزمية.
يقابل هذا التوسع الصناعي اعتراضات مبدئية من مجتمعات الحرفيين المتوارثة؛ فالمصمم والتاجر دينيش شيبا، المنحدر من عائلة عريقة في طباعة قوالب «باغرو» براجستان، يشدد على ضرورة عدم استعارة الأسماء الجغرافية والتراثية مثل «باغرو» و«جايبوري» عند تسويق المطبوعات الرقمية المولدة آليًا. وفي الاتجاه نفسه، ترى أنانتالاكشمي فاديفيل، وهي ناسجة من الجيل الثالث وتدير أنوال فاديفيل للحرير في كانتشيبورام، أن الأقمشة الأصلية تحتفظ بقيمتها الرفيعة لدى المشترين الباحثين عن الأصالة رغم منافسة الأنوال الإلكترونية الرخيصة، بيد أن جوهر المسألة لم يعد قدرة الآلة على المحاكاة، بل من يتقاضى المقابل المالي حين يتحول التراث المشترك إلى أصل تجاري.
على الصعيد التشريعي، طرحت إدارة ترويج الصناعة والتجارة الداخلية في الهند خلال ديسمبر 2025 مسودة «رخصة شاملة» تتيح لمطوري الذكاء الاصطناعي تدريب النماذج على مواد محمية بحقوق النشر دون اشتراط موافقة فردية مسبقة، مع سداد عوائد تحددها الحكومة عند التسويق التجاري. غير أن قوانين الملكية الفكرية الكلاسيكية صيغت على افتراض وجود مؤلف فردي معلوم، في حين تمثل نقوش النسيج ملكية جماعية تراكمية تناقلتها الأجيال دون وثيقة حيازة حصرية. ولمواجهة هذا الفراغ، افتتحت الحكومة في أغسطس مركز تميز لتكنولوجيا الأنوال اليدوية في المعهد الهندي للتكنولوجيا بنيودلهي بتمويل قدره 1.4 مليون دولار، بهدف تثبيت مستشعرات على الأنوال لرقمنة حركة النسيج وإصدار بطاقات مزودة برموز استجابة سريعة لتوثيق المصدر، على غرار نظام «فينغاثا» المعتمد في ولاية ماهاراشترا لحماية أقمشة بايثاني وكارفات كاثي.
هذا النزاع يحمل دلالات مباشرة لصناع القرار ومطوري التقنية في الخليج ومصر وبلاد الشام، حيث تتسابق المبادرات الوطنية لرقمنة التراث الحرفي، من فنون «السدو» في شبه الجزيرة العربية إلى حِرف «الخيامية» المصرية ونسيج «البروكار» في دمشق. إن تغذية نماذج التوليد البصري بقواعد بيانات التراث المحلي دون تشريعات واضحة تنظم حقوق الملكية الجماعية يهدد بإطلاق موجة استنساخ صناعي عابرة للحدود، تفرغ تلك الفنون من قيمتها الاقتصادية والثقافية وتحرم الحرفيين التقليديين من عوائد إبداعهم التراكمي، لحساب منصات التصميم والتجارة الإلكترونية الكبرى.
الدرس الاستراتيجي المستفاد يتمثل في ضرورة عدم فصل حوسبة التراث عن منظومة التوثيق وحفظ المنشأ؛ فالتجربة الهندية تثبت أن الرقمنة المجردة تسرّع نزع الملكية إن لم ترافقها أدوات سيادية تمنح القطعة اليدوية بصمة رقمية ملزمة قانونيًا. حمايتك لحرفتك اليوم لم تعد تعتمد على إخفاء أسرار النول، بل على بناء أطر تشريعية تحظر استغلال الذاكرة الشعبية في تدريب الخوارزميات دون مقابل عادل للمجتمعات المنتجة.