«الحكومة المقروءة آليا» في أبوظبي: أتمتة تدقيق اللوائح مع تثبيت المسؤولية القانونية للموظف
تنتقل تطبيقات النماذج المتقدمة في أبوظبي من مساحة التوقعات النظرية حول شكل الإدارات المستقبلية إلى حيز التنفيذ المؤسسي واسع النطاق. وجاءت حزمة الاتفاقيات الكبرى التي أبرمتها الإمارة مع شركة «أوبن إيه آي»، عقب لقاء جمع الشيخ خالد بن محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي، مع سام ألتمان الرئيس التنفيذي للشركة، لتشمل قطاعات حيوية تمتد بين الطاقة، والعمل الحكومي، والاستثمار، والأغذية، والتعليم، متزامنة مع استضافة مؤتمر الطاقة «أديبك».
تتصدر هذه الاتفاقيات مبادرة «الحكومة القابلة للقراءة آليا»، وهي مشروع تنظيمي يهدف إلى ترجمة السياسات والقوانين واللوائح الحكومية إلى صيغ رقمية تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي قراءتها وفهمها بصورة مباشرة. ويسعى هذا المسار إلى مساعدة الموظفين في إجراء تقييمات الامتثال الروتينية وتقليص الإجراءات البيروقراطية الرتيبة، بما يتيح للمسؤولين الحكوميين تكريس أوقاتهم للمهام المعقدة التي تتطلب حكما بشريا دقيقا، دعما لمساعي الإمارة للتحول إلى أول حكومة مبنية بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم.
الكفاءة التشغيلية وحدها لا تكفي لتكون مقياسا للنجاح؛ فالأنظمة الآلية باتت تلامس قرارات تمس معايش الأفراد، وفرص التعليم، وحركة الأعمال. ورصدنا في هذا التوجه التزاما صريحا من أبوظبي بإبقاء الإشراف البشري والمسؤولية الكاملة عن القرارات الحكومية النهائية بيد الموظفين العموميين، مع إخضاع كل تقييم آلي في مشروع الحكومة المقروءة للتتبع والتوثيق، لضمان عدم تمرير القرارات دون مساءلة إدارية واضحة.
يتطلب هذا التحول تجهيز المسؤولين الحكوميين بقدرات عملية تتيح لهم مساءلة استجابات الذكاء الاصطناعي، وتصحيح الأخطاء، وتفسير أسباب القرارات للمتأثرين بها، إلى جانب إرساء معايير مشددة لحماية البيانات الحساسة والمعلومات الشخصية. وتبرز موثوقية التقييمات الآلية هنا بوصفها خط حماية لقطاع الأعمال؛ إذ إن وقوع أي خطأ في التدقيق قد يعطل إصدار التراخيص أو يلحق ضررا بالشركات، ما يستوجب اعتماد إجراءات واضحة ومعلنة للطعن في القرارات وتصحيح العثرات الإجرائية لضمان العدالة.
يتكامل هذا المسار الإداري مع بعد صناعي مواز؛ حيث وقعت شركة «أدنوك» اتفاقية مع «أوبن إيه آي» ومجموعة «جي 42» لتصبح أول شركة طاقة توظف تقنيات «فرونتير» المتقدمة عبر عملياتها، بهدف دمج الذكاء الاصطناعي في سلسلة الإنتاج ودعم القرارات التشغيلية المترابطة. وجاء ذلك منسجما مع تأكيد الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ«أدنوك» في كلمته الافتتاحية بمؤتمر «أديبك»، على أن الكوادر البشرية تشكل إحدى الأولويات الخمس الرئيسية لتعزيز أمن الطاقة.
يفرض هذا التوجه الحكومي تغييرا عمليا على بيئة الأعمال وفرق التقنية في الخليج والمنطقة. فعندما تتحول القوانين واللوائح إلى صيغ تقرأها الآلات، لن تظل مراجعة الامتثال لدى الشركات عملا ورقيا تقليديا، بل ستتطلب مواءمة البرمجيات المؤسسية الداخلية لتتكامل مباشرة مع معايير الفحص الرقمي وتفادي أي تأخير تنظيمي. كما أن حصر الاعتماد النهائي عند الموظف البشري يرسي قاعدة صارمة للمؤسسات: توصيات النماذج الخوارزمية لا تعفي الإدارات التنفيذية من المسؤولية القانونية الكاملة عن نتائج القرارات.
إن بناء الثقة العامة في المنظومات الحديثة لا يتحقق بالبيانات الإنشائية وحدها، بل بالضمانات الإجرائية والرقابة المستمرة التي تكفل خدمة الصالح العام. ويبقى الميدان هو الفيصل في إثبات قدرة المؤسسات على التوفيق بين مكاسب السرعة ومقتضيات العدالة والمسؤولية.