تخطَّ إلى المحتوى

غموض تجاري يلف مختبرات النماذج العالمية: حجب خطط المنتجات يحمي أسبقية الذكاء المكاني

شارك المقال
غموض تجاري يلف مختبرات النماذج العالمية: حجب خطط المنتجات يحمي أسبقية الذكاء المكاني
الصورة: Michael Fousert / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تكشف النقاشات الدائرة في أروقة مؤتمر «أول إن» عن حالة غير معتادة من التكتم الشديد تحيط بالشركات الناشئة المتخصصة في بناء النماذج العالمية، وعلى رأسها مختبرات «إيه إم آي» التي يقودها يان ليكون، ومختبرات «وورلد لابس» التي أسستها فاي فاي لي. ورغم ما حصدته هذه الكيانات من تمويلات ضخمة واهتمام واسع في أوساط رأس المال الجريء، إلا أنها ما تزال تقبع في أدنى درجات السلم عندما يتعلق الأمر بمساعي تحقيق الإيرادات أو الإفصاح عن مسارات تجارية واضحة.

يقوم جوهر النماذج العالمية على أتمتة الذكاء المكاني، وهو حقل واعد قادر على التمدد في اتجاهات تجارية متعددة، تبدأ من الروبوتات وتوليد الفيديو التفاعلي، وصولاً إلى منظومات القيادة الذاتية المتقدمة. غير أن ملامح التطبيق الفعلي تصبح ضبابية بمجرد السؤال عن موعد طرح المنتجات في الأسواق. وخلال مشاركته في جلسة نقاشية متخصصة، اكتفى مايكل رباط، الشريك المؤسس ونائب رئيس قسم النماذج العالمية في «إيه إم آي»، بالإشارة إلى أن المختبر سيتحدث عن مشاريعه عندما يكون مستعداً لذلك، مؤكداً عبر مراسلات لاحقة أن فريقه ما يزال في مرحلة البحث والبناء، ولن يكشف عن أي خطط أو جداول زمنية لمنتجاته للعلن، وهو أمر يبرره قِصر عمر المختبر الذي لم يكمل عامه الأول بعد.

هذا الغموض المتعمد يتجاوز حدود التواصل الإعلامي ليمس سلاسل التوريد نفسها، إذ يمتد التكتم إلى الشركات المزودة للبيانات التي تعتمد عليها هذه النماذج. ويوضح أليكس دي فيغان، الرئيس التنفيذي لشركة «فيزيكل» المتخصصة في تزويد قطاع النماذج العالمية بالبيانات، أن فريقه يدرك جدوى البيانات التي يقدمها لتلك المنظومات، لكنه يجهل تماماً طبيعة ما يجري بناؤه خلف الأبواب المغلقة، معرباً عن أمله في معرفة تفاصيل إضافية تتيح تصميم بيانات أكثر فائدة وملاءمة لما يُطور فعلياً.

ويعود جانب من هذا اللغز إلى الطبيعة المتشعبة لفكرة النماذج العالمية؛ فأبسط أشكالها يتمثل في خرائط تفاعلية قابلة للملاحة شبيهة بتلك المشغلة للسيارات ذاتية القيادة، غير أن المنهجية الهندسية التي تمكّن مركبة تابعة لشركة «وايمو» من تفادي الازدحام المروري، هي ذاتها التي تستطيع توجيه روبوت بشري لنقل الصناديق، أو تحويل مقطع مصور مدته دقائق إلى بيئة رقمية قابلة للاستكشاف بالكامل. وقد امتدت تجارب مختبرات «إيه إم آي» إلى قطاعات التصنيع، والطب الحيوي، والروبوتات، إضافة إلى برمجيات موجهة للأطباء عبر شراكتها مع «نابيا»، مما يعكس تنوعاً يصعب معه حصر الاتجاه النهائي الذي سيركز عليه المختبر.

يرتبط هذا التحفظ بفرضية «الغابة المظلمة» المستعارة من أدب الخيال العلمي، حيث يؤدي سهولة جمع التمويل إلى رفع الضغوط المالية اللحظية عن الشركات للتركيز على نموذج عمل وحيد. الكشف المبكر عن خط إنتاج محدد يشعل حلبة المنافسة على الفور، فإذا أعلن مختبر ما عن تصنيع روبوت مادي أو منظومة متقدمة لمعالجة المؤثرات البصرية في هوليوود، فإن ذلك سيدفع منافسين كباراً مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» والمختبرات الناشئة إلى حشد سيولتها وتطوير بدائل منافسة في المساحة ذاتها، مما يجعل إخفاء الخطط أطول فترة ممكنة درعاً واقياً للأسبقية التقنية، خاصة وأن حلبة التمويل المفتوحة قادرة على تسليح المنافسين بالقدر ذاته من الموارد المالية.

بالنسبة للمهندسين وفرق التطوير في الخليج ومصر والشام، يحمل هذا المشهد دلالة مباشرة على خيارات البناء الرقمي. فالمؤسسات التي تسعى لأتمتة العمليات اللوجستية في المستودعات أو بناء توائم رقمية للبنية التحتية، لا يمكنها اليوم رهن جداولها الهندسية بوعود قريبة المنال من مزودي النماذج العالمية الغربيين. الاعتماد على هذه التقنيات يفرض تأجيل بناء المنظومات الحساسة على واجهات برمجية مجهولة الملامح، والتركيز بدلاً من ذلك على استيعاب معالجة البيانات المكانية محلياً، بينما يجد رواد الأعمال ومزودو البيانات في المنطقة أنفسهم أمام حتمية عدم التعويل على مواصفات قياسية جاهزة، لأن عمالقة النماذج العالمية يفضلون الصمت وإخفاء متطلباتهم الهندسية ريثما تتضح ملامح المعركة التجارية المقبلة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد