«واي كومبيناتور» تطالب بتشريع تقطير النماذج: كسر الاحتكار يبدأ بحرية الأوزان المفتوحة
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
لم يعد الجدل الدائر حول تقنيات تقطير النماذج مجرد نزاع تقني بين مختبرات الأبحاث، بل تحول إلى مواجهة علنية حول مستقبل احتكار الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الذي تطالب فيه مختبرات النماذج الرائدة المغلقة، وعلى رأسها شركة أنثروبيك، بتدخل تنظيمي صارم لوقف عمليات استخلاص المعرفة من مخرجاتها، خرج غاري تان، الرئيس التنفيذي لمسرعة الأعمال الأمريكية «واي كومبيناتور»، بموقف معاكس تمامًا، داعيًا الجهات التنظيمية إلى عدم التدخل والسماح للمختبرات الناشئة بممارسة التقطير بحرية ووضوح.
جاء موقف تان عقب تقرير ثان نشرته أنثروبيك اتهمت فيه مختبرات صينية بشن ما وصفته بهجمات تقطير غير مشروعة، عبر استخدام هويات مزيفة وبيانات اعتماد مسروقة لتوجيه استفسارات مكثفة إلى نماذجها المتقدمة واستخراج أساليب تفكيرها دون إذن. وكان داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، قد دعا صراحة إلى فرض قيود تنظيمية تلاحق هذه الممارسات. غير أن تان أوضح في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» وتصريحات لموقع «تك كرانش» أنه يفضل ألا تتدخل الحكومة ضد التقنية، مقترحًا بدلًا من ذلك إرساء نظام تقطير أمريكي يتيح للمختبرات المحلية استخلاص المعرفة من النماذج الكبرى لبناء بدائل قوية مفتوحة الأوزان تتفوق على النماذج الصينية دون الحاجة إلى التسلل من الأبواب الخلفية.
تستند مرافعة تان إلى حجتين رئيسيتين تكشفان ازدواجية المعايير لدى مطوري النماذج الاحتكارية. الحجة الأولى هي أن تقييد استخدام العملاء للمعلومات التي تشاركها النماذج عبر واجهات البرمجة يمثل تضييقًا غير مبرر، خاصة أن المختبرات المغلقة ذاتها دربت أنظمتها عبر مسح كميات هائلة من المعرفة البشرية والمحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية دون طلب إذن مسبق. ويرى تان أن الذكاء المبني على بيانات المصلحة العامة يجب أن يعامل كمنفعة عامة، لا كمنتج حبيس شروط خدمة خانقة. أما الحجة الثانية، فتحذر من أن الكابوس الفعلي للذكاء الاصطناعي يتمثل في انفراد شركة تجارية واحدة بالصدارة واحتكار رؤوس الأموال ونخبة الباحثين، بما يخلق احتكارًا شاملاً يتحكم في مستقبل التقنية.
بالنسبة لقادة التقنية والمؤسسين في الخليج ومصر والشام، ينقل هذا الطرح معركة الأوزان المفتوحة من سجال نظري إلى خيار تشغيلي مباشر. تعتمد غالبية المؤسسات والشركات الناشئة في المنطقة حاليًا على استئجار الاستدلال من واجهات البرمجة الأمريكية المغلقة، وهي شروط تمنع بموجب بنودها استخدام المخرجات لتدريب نماذج بديلة، مما يبقي المنظومة الإقليمية في موقع المستأجر الدائم ويزيد من تكلفة استهلاك الحوسبة شهريًا. إذا انتزع التقطير شرعيته كحق للمستخدم، فإن ذلك يفتح المجال للفرق التقنية العربية لنقل قدرات الاستدلال المتقدمة إلى نماذج أصغر حجمًا وأقل تكلفة تُستضاف محليًا داخل مراكز بياناتهم الخاصة، مما يحمي السيادة على البيانات ويخفض كلفة التشغيل. كما ينقل المهارة المطلوبة في السوق المحلية من مجرد هندسة الأوامر السطحية إلى تصميم مسارات التقطير والبيانات الاصطناعية لتدريب النماذج المتخصصة.
إن المعادلة التي يدعو إليها غاري تان لا تلغي حق الشركات الرائدة في تطوير نماذج أعمال رابحة تغطي تكاليف أبحاثها الضخمة، لكنها تضع حدًا لمحاولات خنق المنافسة. وتبقى النماذج المفتوحة صمام الأمان الوحيد لضمان وصول المطورين حول العالم إلى أدوات الذكاء، ومنع تحول هذه البنية التحتية العالمية إلى ملكية حصرية لشركة واحدة.