تخطَّ إلى المحتوى

تدريب القيادات في السعودية يربط التقييم بمساءلة قرارات الذكاء الاصطناعي بدل تكديس الشهادات

شارك المقال
تدريب القيادات في السعودية يربط التقييم بمساءلة قرارات الذكاء الاصطناعي بدل تكديس الشهادات
الصورة: Col·legi de Farmacèutics de Barcelona / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت نورة (Noura)

تسحب المؤسسات السعودية بساط الأفضلية من الشهادات الأكاديمية طويلة الأجل لصالح منظومة تدريبية ترتكز على تفكيك مخرجات الذكاء الاصطناعي وتدقيقها داخل بيئات العمل الفعلية. يعيد مسؤولو التطوير المهني والقيادي في الرياض صياغة برامج التدريب التنفيذي، بعدما أدى التشغيل الآلي للمهام المعرفية الروتينية إلى تجريد حفظ المعلومات وتلخيص التقارير من قيمتهما التنافسية، ليصبح الحكم المهني والقدرة على مساءلة نتائج الآلة المعيار الحاسم في تقييم الكفاءات.

تركز هذه التحولات المؤسسية على التمييز الصارم بين الانبهار بالأدوات التقنية وفهم المبادئ العلمية الحاكمة لها. يوضح عبد الرحمن القعاري، مدير الذكاء الاصطناعي في شركة «دبليو إس إم» لتقنية المعلومات، أن النماذج الذكية لا تلغي الحكم البشري، ما يفرض على مناهج التعليم التنفيذي التركيز على صياغة المشكلات وتقييمها بعمق تخصصي دقيق، انطلاقاً من قاعدة أن الممارس لا يستطيع الحكم على ما لا يفهمه. ويرى القعاري أن الأدوات الرقمية تتبدل خلال أشهر قليلة بينما تبقى الأسس العلمية ثابتة، الأمر الذي يستدعي إعادة تصميم اختبارات الكفاءة لتقيس قدرات عصية على المحاكاة الآلية عبر مشاريع ميدانية ودفاعات شفهية تختبر منهجية التفكير ومبررات الاختيار، لا المخرج النهائي وحده.

يمتد هذا التحول مباشرة إلى متطلبات الامتثال في القطاعات الخدمية والحكومية الكبرى. توضح الدكتورة منى القحطاني، نائبة الرئيس للتعلم والتطوير في شركة الصحة القابضة، أن جوهر الفجوة المهنية ارتبط دوماً بالمسافة الفاصلة بين ما يتلقاه الموظف في القاعات وما يطبقه عملياً، مشددة على أن موظف القطاع العام ملزم قانونياً وأخلاقياً بشرح الكيفية التي استند إليها القرار، لا الاكتفاء بما تقترحه الخوارزمية. وتؤكد القحطاني أن الهدف المؤسسي لا يتمثل في تحويل القيادات إلى خبراء تقنيين، بل في تمكينهم من قيادة فرق تعتمد على هذه الأنظمة، مع قياس الأداء بناء على سرعة الإنجاز وجودته الفعلية دون الاكتراث بكثافة استخدام البرمجيات في حد ذاتها.

على مستوى البنية الهيكلية للتعليم المهني، تتجه المنصات ومراكز القيادة نحو تفكيك الدبلومات الكلاسيكية إلى مسارات مهارية تراكمية ومستمرة. يشير فراس نقادي، المدير الإقليمي لشركة «وورك داي» في السعودية، إلى أن الانتقال نحو تنمية القوى العاملة القائمة على المهارات يتيح توحيد بيانات الموظفين والكفاءات والأعمال في نظام تشغيلي واحد، ما يسمح للمؤسسات بتجاوز المسميات الوظيفية الثابتة نحو رسم خرائط ديناميكية ترصد فجوات القدرات وتربط التدريب بنتائج الأعمال القابلة للقياس، بدلاً من مقاييس الإكمال التقليدية. ويتكامل هذا المسار مع ما يطرحه الدكتور صالح المحيميد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة دراسات القيادة، بشأن التحول من استهلاك المعرفة إلى تنمية التفكير فوق المعرفي والحكم الاستراتيجي عبر مشاريع التعلم العملي وتحديات التحول المؤسسي الحية، مؤكداً الانتقال من التمحور حول الدرجات الأكاديمية إلى المؤهلات التراكمية المجزأة.

يتوافق هذا التوجه مع رؤية الدكتور رائد الحمداني، المدير العام لشركة «التفاعل الإيجابي للتدريب والاستشارات»، الذي يؤكد أن أتمتة جمع المعلومات والتحليلات الروتينية نقلت برامج التدريب نحو تنمية قدرات التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة والقيادة المسؤولة للذكاء الاصطناعي، لتجهيز الكوادر للعمل بالتكامل مع النظم الذكية عوضاً عن منافستها. ويشدد الحمداني على أن تقييم نجاح التطوير لم يعد يرتبط بمعدلات الحضور أو رضا المشاركين، بل بما يتحقق من تغيير سلوكي وتطور في كفاءة بيئة العمل المؤسسية ومواءمتها مع متطلبات السوق.

نرى في غرفة الأخبار دلالات تنفيذية مباشرة لهذه التحولات تنعكس على المهنيين ومسؤولي الموارد البشرية في أسواق الخليج ومصر والمشرق العربي. إن القيمة السوقية للشهادات المهنية العامة تتراجع سريعاً أمام قدرة الممارس على التدقيق الجنائي لمخرجات الأنظمة الذكية وإثبات صحتها أمام الإدارات التنفيذية والجهات الرقابية. يتطلب هذا الواقع من الممارس في أسواقنا الإقليمية تجاوز الاكتفاء بحيازة أدوات الذكاء الاصطناعي والتركيز على إثبات الأثر التشغيلي، حيث تصبح الترقية والأمان المهني مرهونين بامتلاك مهارة تفنيد التوصيات الخوارزمية وصياغة القرارات المعقدة بثقة ومسؤولية كاملة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد