انكشاف 84 بالمئة من وظائف المال: بريطانيا تختبر جبهة الأتمتة الميدانية للمكاتب الخلفية
استمع لهذا المقال
بصوت زياد (Ziyad)
يقف قطاع الخدمات المالية في بريطانيا على خط المواجهة الأول مع موجة الوكلاء المستقلين ومراكز البيانات، كاشفاً عن تحول هيكلي يتجاوز التوقعات النظرية إلى واقع التوظيف اليومي. تشير بيانات البنك المركزي البريطاني، بنك إنجلترا، إلى أن القطاع المالي يستحوذ على أعلى نسبة من المهن المعرضة للاضطراب بفعل أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بأي قطاع اقتصادي آخر، حيث تصل نسبة الوظائف المنكشفة أمام هذه التقنيات إلى 84 بالمئة. هذا الرقم القياسي لا يعبر عن مجرد احتمالات بعيدة، بل بدأ ينعكس في حركة التوظيف الفعلية داخل مراكز العمليات والمدن التي اعتمدت لعقود على الخدمات الإدارية بديلاً للصناعات التقليدية.
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاءات في المملكة المتحدة عن تراجع إجمالي الشواغر الوظيفية بنحو النصف مقارنة بذروتها المسجلة في عام 2022. ورغم تداخل عوامل اقتصادية متعددة في إضعاف سوق العمل، فإن تحليلاً موسعاً أجرته منصة «بلومبرغ» لبيانات المكتب يظهر أن الانخفاضات الأشد وطأة تركزت بدقة في المهن الأكثر عرضة لبرمجيات الأتمتة. المحاسبون ومحللو الاستثمار وموظفو العمليات الإدارية الخلفية في البنوك وشركات التأمين وجدوا أنفسهم في مقدمة الفئات المتأثرة بتقليص الطلب الوظيفي، خصوصاً في مهام تنظيم البيانات، وتسوية المعاملات المالية، ومعالجة شكاوى العملاء، وهي مسارات وظيفية تقليدية تمتاز بخطوات محددة يسهل قياس إنجازها وبرمجتها خوارزمياً.
يمتد هذا التأثير جغرافياً إلى مدن بريطانية مثل سواندون وبورنموث وبرايتون وكارديف، وهي مقرات رئيسية تستضيف مراكز دعم وعمليات لمؤسسات كبرى مثل «جيه بي مورغان» و«أميركان إكسبريس» و«جمعية نيشن وايد للبناء». تختلف هذه الموجة عن صدمات التحول الصناعي السابقة، إذ تتراوح حصة التوظيف المالي في هذه المدن اليوم بين 5 بالمئة و10 بالمئة من إجمالي القوة العاملة، مقارنة بمناطق تعدين الفحم التي كانت تشغل أكثر من خُمس العمالة في يوركشاير ونوتينغهامشاير وجنوب ويلز مطلع ثمانينات القرن الماضي قبل اندثارها. ومع ذلك، يؤكد الواقع الميداني وجود فجوة ملموسة بين قدرة البرمجيات النظرية على تنفيذ المهام المحاسبية والإدارية، وقدرتها الفعلية على تولي تلك المسؤوليات بالكامل دون إشراف بشري مستمر يضمن دقة البيانات المعقدة.
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في تحركات المؤسسات المالية ذاتها؛ فبينما تسجل مدن مثل بورنموث وكرايستشرش انخفاضات حادة في إعلانات التوظيف المالي التقليدي، تضخ مؤسسة «جيه بي مورغان» استثمارات تتجاوز 300 مليون جنيه إسترليني في مركز العمليات والتكنولوجيا التابع لها في بورنموث. تتضمن هذه الخطط تشييد مكاتب جديدة تتسع لنحو 1800 موظف، لتخفيف الضغط المكاني عن مجمع يضم بالفعل 5300 عامل. الاستثمار المؤسسي لا يلغي مقرات العمليات، بل يعيد توجيه بنيتها التحتية نحو بيئات تجمع بين هندسة البرمجيات والرقابة على النظم الذكية، في حين تبقى العاصمة لندن محكومة بوزنها كمركز عالمي لتدفقات رؤوس الأموال وصادرات الخدمات التي يعتمد عليها الميزان التجاري البريطاني بأكمله.
تحمل هذه التحولات دلالات مباشرة على المشهد المهني والمصرفي في الخليج ومصر وبلاد الشام. تعتمد المؤسسات المالية الإقليمية في الرياض وأبوظبي ودبي، إلى جانب مراكز الخدمات المشتركة في القاهرة وعمّان، على كوادر متخصصة في المطابقات المحاسبية، ومراجعة المعاملات، وإدارة الامتثال، وخدمة العملاء. يعكس المشهد البريطاني حقيقة أن الوظائف المعتمدة على نقل البيانات والتحقق الروتيني هي أول ما يتقلص عند دخول الوكلاء المستقلين إلى بيئة العمل. المهارة المطلوبة من الكوادر المصرفية في المنطقة تنتقل بسرعة من إنجاز العمل الروتيني يدوياً إلى قيادة مسارات الأتمتة، والتحقق من سلامة المخرجات الخوارزمية، ومعالجة الاستثناءات التشغيلية التي تعجز النماذج الآلية عن تسويتها بمفردها.
يرسم درس المكاتب الخلفية في بريطانيا مساراً واضحاً لمديري العمليات والمواهب في المؤسسات المالية العربية: الأتمتة المتقدمة لا تمحو الحاجة إلى العنصر البشري بقدر ما ترفع سقف متطلباته التقنية والرقابية. إن قرار الاستثمار المستقبلي لم يعد مجرد خفض في بنود التكاليف التشغيلية، بل هو إعادة تأهيل شاملة لفرق العمل كي تتحول من وحدات تنفيذ بطيئة إلى منصات إشراف وتدقيق قادرة على سد الفجوة بين طموح الخوارزميات وتعقيدات السوق المالية الحقيقية.