تخطَّ إلى المحتوى

طموح النفوذ الاستراتيجي وهاجس الاستبدال: معادلة المهارات الذكية في مكاتب الإمارات

شارك المقال
طموح النفوذ الاستراتيجي وهاجس الاستبدال: معادلة المهارات الذكية في مكاتب الإمارات
الصورة: Jakub Żerdzicki / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت زياد (Ziyad)

يقف الموظف في مكاتب الإمارات اليوم أمام مفارقة مهنية حادة؛ فبينما يرى ثلاثة أرباع العاملين أن أدوات الذكاء الاصطناعي تمنحهم صوتًا مسموعًا لاقتراح تحولات استراتيجية، يعيش ثلثاهم قلقًا متصاعدًا من أن تكون هذه الأدوات نفسها سببًا في استبدالهم داخل سوق العمل. لا تعكس هذه الأرقام مجرد توتر عابر مع التقنيات الحديثة، بل تكشف عن صراع صامت لإعادة تعريف القيمة الوظيفية ومسارات الرواتب في بيئة أعمال تتسارع نحو الأتمتة.

تستند هذه المؤشرات إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «وورك داي» بعنوان «ما بعد الإنتاجية: قياس القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الإمارات»، بالتزامن مع إطلاق عملياتها الإقليمية وتوسيع قيادتها في دبي. وتكشف قراءتنا لبيانات التقرير أن 75 في المئة من الموظفين المشاركين يشعرون بقدرة حقيقية على تقديم رؤى تدعم القرارات الاستراتيجية لمؤسساتهم، في حين يرى 73 في المئة أن امتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي يمنحهم أفضلية ملموسة للمطالبة برواتب أعلى أو الحصول على وظائف أفضل. غير أن هذا التفاؤل المهني يواجه نقيضه مباشرة، إذ عبّر 65 في المئة من المستطلعين عن قلقهم من أن تجعلهم التكنولوجيا أكثر عرضة للاستبدال الوظيفي.

الانتشار الواسع للأدوات لا يعني بالضرورة تحقيق قفزة تلقائية في الكفاءة. تظهر بيانات التقرير أن 90 في المئة من الموظفين في الإمارات يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي أسبوعيًا على الأقل، ويلجأ إليها 58 في المئة مرات عدة في الأسبوع، بينما يدمجها 18 في المئة في مهامهم اليومية. ومع ذلك، تصطدم هذه المكاسب التشغيلية بحاجز الجودة؛ ففي حين توفر التقنية للموظف نحو 3.6 ساعات أسبوعيًا، يلتهم تصحيح مخرجاتها غير الدقيقة وإعادة صياغتها وتوضيحها نحو 3.4 ساعات في الفترة ذاتها، ما يجعل الفارق الزمني الصافي محدودًا للغاية.

تتضاعف هذه المعادلة حساسية عند النظر إلى خطط الإدارات؛ حيث كشف الاستطلاع أن 33 في المئة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستيعاب أعباء تشغيلية إضافية دون زيادة عدد موظفيها. وقد حذرت أنجيليك دي فريس-سكيبرين، رئيسة شركة «وورك داي» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، من اختزال مكاسب الإنتاجية في تحميل عدد أقل من العاملين مهام أكثر، مشيرة إلى أن المؤسسات التي تدير أعمالها عبر المنصة، والتي تتجاوز 11,500 مؤسسة عالميًا وتضم أكثر من 65 في المئة من شركات قائمة «فورتشن 500»، تدرك أن القيمة المستدامة تكمن في النمو وتطوير الكفاءات البشرية بدلاً من الاكتفاء بخفض النفقات.

تجميد التوظيف عبر الأتمتة يفرض على الكفاءات في الخليج تغييرًا جوهريًا في أولويات التطوير. لم يعد مجرد تشغيل التطبيقات التوليدية وصياغة الأوامر الروتينية كافيًا لضمان الأمان الوظيفي أو التفاوض على زيادة الدخل، خصوصًا مع تآكل الساعات الموفرة في مراجعة الأخطاء والهلوسة المعلوماتية. ما يحتاجه الموظف اليوم هو التركيز على التفكير النقدي والحكم البشري والقدرة على التدقيق في البيانات المؤسسية الموثوقة؛ فالقدرة على توجيه مخرجات الذكاء الاصطناعي وربطها بسياقات العمل الواقعية هي التي تميز صاحب القرار عن المنفذ القابل للاستبدال.

تضع هذه المؤشرات قادة المؤسسات ومسؤولي المواهب في المنطقة أمام مسؤولية واضحة؛ إذ يعود التعثر الحالي في حصد القيمة إلى بقاء العديد من الشركات في مرحلة التجربة الأولية غير المرتبطة بمسارات عمل واضحة وضوابط دقيقة. وتؤكد نتائج التقرير أن الشفافية بشأن حدود دور الآلة، وتحديد المهام التي تتطلب تقديرًا بشريًا غير قابل للتفويض، إلى جانب الاستثمار المباشر في تدريب الموظفين، هي السبيل الوحيد لبناء الثقة المؤسسية وتجنب استنزاف الطاقات تحت مسمى الإنتاجية السريعة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد