مفارقة الإنتاجية في مكاتب الإمارات: ساعات يوفرها الذكاء الاصطناعي وتبتلعها مراجعة مخرجاته
يكشف التبني المكثف لأدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل بدولة الإمارات عن مفارقة تشغيلية حادة، إذ يوفر الموظفون ما معدله 3.6 ساعات أسبوعيًا بفضل هذه البرمجيات، لكنهم يعودون ليهدروا 3.4 ساعات في الفترة ذاتها لتوضيح المخرجات وتصحيحها وإعادة صياغتها حين تهبط جودتها عن المعايير المطلوبة. هذه النتيجة التي رصدها تقرير صادر عن شركة «وورك داي» بعنوان «ما بعد الإنتاجية: قياس القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الإمارات»، تعيد ضبط النقاش المؤسسي حول الجدوى الاقتصادية للأتمتة؛ فالسباق نحو اقتناء الأدوات التوليدية ينتهي عمليًا بمكسب زمني هامشي لا يتعدى اثنتي عشرة دقيقة أسبوعيًا ما لم ترافقه أطر تدقيق واضحة.
تكتسب هذه المؤشرات ثقلها من توقيت إعلانها عبر مقابلة أجرتها مجلة «فاست كومباني الشرق الأوسط» مع أنجيليك دي فريس-سكيبرين، رئيسة «وورك داي» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، تزامنًا مع إطلاق الشركة عملياتها الإقليمية المخصصة في دبي وتوسيع قيادتها المحلية لدعم قاعدة عملاء تضم عالميًا ما يزيد على 11,500 مؤسسة، بينها أكثر من 65 بالمئة من شركات «فورتشن 500». الانتشار الواسع للأدوات الذكية لا يعني تلقائيًا اكتمال نضجها المؤسسي؛ إذ يستخدم التقنية نحو 90 بالمئة من موظفي الإمارات المشمولين بالاستطلاع مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، ويلجأ إليها 58 بالمئة مرات عدة في الأسبوع، بينما يدمجها 18 بالمئة في مهامهم اليومية بصورة مستمرة.
هذا الانغماس التقني يفرز صراعًا نفسيًا ومهنيًا عميقًا في عقلية الكوادر العاملة؛ فبينما يشعر 75 بالمئة من الموظفين بقدرة أكبر على صياغة القرارات واقتراح تغييرات استراتيجية بفضل الرؤى والبيانات التي تولدها النماذج، ويعتقد 73 بالمئة منهم أن اكتساب هذه المهارات يمنحهم تفوقًا للمطالبة برواتب أعلى أو اقتناص وظائف أفضل، تسيطر على 65 بالمئة منهم مخاوف صريحة من أن تجعلهم التكنولوجيا أكثر عرضة للاستبدال وفقدان الأمان المهني.
وتتعمق الفجوة التشغيلية حين تلجأ 33 بالمئة من المؤسسات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لاستيعاب مزيد من أعباء العمل دون توسيع التوظيف أو زيادة عدد موظفيها. وهو توجه حذرت منه دي فريس-سكيبرين بوضوح، مؤكدة أن تقليص مفهوم الإنتاجية في تكليف عدد أقل من العاملين بمهام أكثر يحصر التقنية في خانة خفض التكاليف، بينما ترى المؤسسات المتقدمة في الأتمتة محركًا للنمو والتحول النوعي. ووفق تشخيص قيادة «وورك داي»، تعود معضلة الساعات المفقودة إلى بقاء جهات عديدة في مرحلة التجربة السطحية، والافتقار إلى ربط النماذج بمصادر بيانات موثوقة ومسارات عمل محكمة وضوابط تدقيق صارمة تفصل بين ما تنجزه الخوارزمية وما يستوجب حكمًا بشريًا مباشرًا.
بالنسبة للمديرين والمهنيين في أسواق الخليج والمنطقة، يحمل هذا التقرير دلالة حاسمة تتجاوز أرقام المسح: الرهان الوظيفي لم يعد متعلقًا بسرعة توليد النصوص، بل بامتلاك سلطة التدقيق وصناعة القرار. فالمؤسسات التي تضخ استثماراتها في واجهات الذكاء الاصطناعي دون تدريب كوادرها على التفكير النقدي وفحص البيانات، تخلق عبئًا خفيًا يلتهم ساعات العمل في مراجعة الأخطاء وترقيع المخرجات الركيكة. كما أن الموظف الذي يسعى لحماية موقعه والارتقاء براتبه، عليه الانتقال من مستهلك للأدوات إلى خبير يربط مخرجاتها بالمسار الاستراتيجي لمنشأته، لأن الأتمتة التي تستهدف ضغط النفقات سرعان ما تتعثر أمام تكلفة الأخطاء غير المكتشفة.
تنتهي معطيات التقرير إلى أن القيمة الفعلية للتقنية تتحقق عبر استثمار الساعات المتبقية في تعميق التواصل مع العملاء، وتطوير المهارات القيادية للأدوار الناشئة، وبناء بيئة مؤسسية شفافة تحدد بصرامة أين تنتهي مهام الآلة وأين يبدأ الإبداع والتعاون الإنساني، عوض الاكتفاء بقياس الزمن المقتطع من المعاملات الروتينية.