«حكومة أصيلة بالذكاء الاصطناعي بحلول 2027»: كيف تعيد أبوظبي صياغة الخدمات العامة والبنية الحوسبية؟
استمع لهذا المقال
بصوت سارة (Sarah)
لم يعد الحديث عن تبني الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي مجرد مبادرات متفرقة أو تجارب معزولة، بل تحول إلى سباق لإعادة بناء الهياكل المؤسسية بالكامل من الصفر. في هذا السياق، تستعد العاصمة الإماراتية لاستضافة قمة ومعرض «Ai Everything Abu Dhabi 2026» يومي السادس والسابع من أكتوبر في مركز «أدنيك»، في وقت تدفع فيه التحولات العالمية الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو 2.59 تريليون دولار خلال العام الجاري، بزيادة تبلغ 47 في المئة مقارنة بعام 2025 وفق تقديرات مؤسسة «غارتنر». هذا الحدث، الذي يجمع أكثر من 400 جهة مطورة للبنية التحتية والنماذج والشركات الناشئة وأكثر من مئتي مستثمر يديرون أصولاً تتجاوز 91 مليار دولار، يسعى لتقديم برهان عملي على العوائد الاقتصادية والمؤسسية القابلة للقياس بعيداً عن الوعود النظرية.
الانتقال من أتمتة المعاملات التقليدية إلى تشغيل حكومة تعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي. تقود دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي هذا المسار عبر خطة معلنة للتحول إلى أول حكومة أصيلة بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، مدعومة ببرنامج استثماري تبلغ قيمته 3.54 مليارات دولار. وتعمل الدائرة، بإشراف رئيسها أحمد تميم هشام الكتاب والمدير العام للحكومة الرقمية وسام لوتاه، على دمج أكثر من أربعين جهة حكومية ضمن منظومة رقمية موحدة تعتمد بالفعل على أكثر من مئة حالة استخدام نشطة للذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، مما يضع التجربة الحكومية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تقديم خدمات متصلة واستباقية لملايين المتعاملين والشركات.
هذا التوجه التشغيلي يتزامن مع ترسيخ البنية التحتية والبحث السيادي، حيث يستعرض معهد الابتكار التكنولوجي، ذراع البحوث التطبيقية في مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، نموذج «فالكون إتش 1 العربي» الذي يتصدر قائمة اختبار النماذج اللغوية العربية المفتوحة، مستنداً إلى معمارية مخصصة للبيانات العربية عالية الجودة تخفض متطلبات العتاد أمام المؤسسات. ويقدم المعهد ثلاثاً وعشرين تجربة حية من تسعة مراكز بحثية في قطاعات الطاقة والمواد والفضاء والأنظمة المستقلة، ومنها نموذج «GeoAI» المخصص للجيولوجيا واستكشاف المعادن. وفي موازاة ذلك، تطرح شركات مثل «سوليوشنز بلس» التابعة لمبادلة وشركة «G42» عبر نموذجها «شبكة الذكاء» مفاهيم الوكلاء المستقلين المدعومين بالمساءلة والتقدير البشري لإدارة الأنظمة الصحية والتجارية وقطاع الطاقة، جنباً إلى جنب مع كبرى شركات الحوسبة والشرائح العالمية.
المعركة الحقيقية تنتقل من حجم النماذج وسرعتها إلى التحكم والسيادة على مخرجاتها. يبرز هذا التحول مع مشاركة قادة الذكاء الاصطناعي الأوروبي للمرة الأولى في أبوظبي، وفي مقدمتهم شركة «ميسترال» التي أغلقت جولة تمويل قياسية بقيمة ثلاثة مليارات يورو جعلت تقييمها يتجاوز 21 مليار يورو، حيث يطرح رئيسها التنفيذي آرثر مينش بالاشتراك مع مؤسس «بوسطن ديناميكس» مارك رايبرت مسألة السيطرة المؤسسية على الأنظمة المستقلة. وتواكب ذلك شركة «إليفن لابس» عبر استعراض منصات الوكلاء الصوتيين التفاعليين وتوليد الوسائط، مما يعكس انتقال النقاش الصناعي من مجرد تدريب النماذج إلى نشر وكلاء قادرين على اتخاذ قرارات عملانية وتنفيذ مهام معقدة.
هذا الزخم يحمل أثراً تشغيلياً وتنظيمياً مباشراً على قادة التقنية ومديري التحول الرقمي في الخليج ومصر والمشرق العربي. إن ضخ استثمارات مليارية في توحيد البنية الحكومية ونشر نماذج عربية مخصصة يعني أن المعيار المطلوب لبناء الحلول المؤسسية لم يعد التبني السطحي للواجهات الجاهزة، بل التكامل مع أطر حوكمة صارمة تضمن سيادة البيانات والتحكم في تكاليف الاستدلال الحوسبي. بالنسبة للشركات المحلية وفرق التطوير في المنطقة، فإن المنافسة لم تعد محصورة في تطوير تطبيقات خدمية بسيطة، بل في القدرة على بناء وكلاء مؤهلين للاندماج في بنى تحتية حكومية ومصرفية حساسة، وهو ما يفرض رفع كفاءة المطورين في هندسة الوكلاء وضبط أمان النماذج المفتوحة لتلبية المعايير الصارمة التي تضعها المؤسسات الكبرى.
في المحصلة، تضع أبوظبي نموذجاً يختبر إمكانية تحويل البنية التحتية الفائقة إلى ناتج اقتصادي ملموس وكفاءة إدارية يومية. وعليك أن تراقب خلال المرحلة المقبلة ما ستسفر عنه حالات الاستخدام الحكومية المئة، فالرهان الحقيقي لا يقاس بعدد الشركات العارضة أو المتحدثين، بل بمدى نجاح المنظومة في إثبات أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي قادر على خفض كلفة الإدارة العامة ورفع جودة الخدمات بصورة مستدامة.